الفعل عن العبد ، فإنّ المجوس يسندون الخيرات إلى اللَّه ، والشرور إلى إبليس .
وفي هذا الحديث دلالة على أنّ المجبّرة هم القدريّة ، ولا خلاف بين الامّة في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله ذمّ القدريّة ، لكن كلّ من الجبريّة والتفويضيّة يسمّون خصومهم بها ، وفي أخبارنا أطلقت عليهما وإن كان على التفويضيّة أكثر .
ويحتمل أن يكون تشبيههم بالمجوس لأنّ مذهب المجوس : أنّ اللَّه تعالى يخلق فعله ثمّ يتبرّأ منه ، كما خلق إبليس وتبرّأ منه .
ولأنّ المجوس قالوا : إنّ نكاح الامّهات والأخوات بقضاء اللَّه وقدره وإرادته ، ووافقهم المجبّرة حيث قالوا : إنّ نكاح المجوس لُامّهاتهم وأخواتهم بقضاء اللَّه وقدره وإرادته .
ولأنّ المجوس قالوا : إنّ القادر على الخير لا يقدر على الشرّ وبالعكس ، والمجبّرة قالوا : إنّ القدرة موجبة للفعل غير متقدّمة عليه ، فإنّ الإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضدّه وبالعكس .
ويحتمل أن يُعطف خصماء الرحمان على عبدة الأوثان ، فالمراد بهم المعتزلة المفوّضة ، أي الأشاعرة الجبريّة إخوان المفوّضة الذين هم خصماء الرحمان ؛ لأنّهم يدّعون استقلال قدرتهم في مقابلة قدرة الرحمان ، فإنّهم يفعلون ما يريدون بلا مشاركة للَّهفي أعمالهم بالتوفيق والخذلان ، والاخوّة بينهما باعتبار أنّ كلّاً منهما على طرف خارج عن الحقّ الذي هو بينهما ، وهو الأمر بين الأمرين ، فهما يشتركان في البطلان ، كما أنّ المؤمنين إخوة [ لاشتراكهم ] « 1 » في الحقّ .
وعلى هذا يكون قوله : « وحزب الشيطان » ، وقوله : « قدريّة هذه الامّة » ، وقوله :
« مجوسها » كلّها معطوفات على العبدة لا الإخوان ، وتكون أوصافاً للمفوّضة لا الجبريّة ، ويكون الحديث مشتملًا على نفي طرفي الإفراط والتفريط معاً ، إلّاأنّه لا يخلو من بُعد .
( إنّ اللَّه كلّف تخييراً ) أي أمر عباده مع جعله لهم مخيّرين بين الفعل والترك بإعطاء
هامش
( 1 ) . أثبتناه من المصدر ، وفي النسخ والمطبوع : « لاشتراكهما » .