أولى بالراحة والإحسان دائماً ، وذات المحسن أولى بالمشقّة والعقوبة دائماً ؛ ليصل إلى كلّ واحد ما عُوّد به وما هو به أليق .
وأمّا على الثاني فلأنّ الأصل بقاء ما كان على ما كان ، فيلزم أن يحسن إلى المذنب ويثيبه فيحصل له الربح في الدارين ويتخلّص من المشقّة في الكونين ، وأن يعاقب المحسن فيحصل له مع المشقّة الحاضرة المشقّة في الآخرة .
رابعها : أنّ المذنب - لصدور القبائح والسيّئات منه - متألّم منكسر البال ، لظنّه أنّها وقعت منه باختياره ، وقد كانت بجبر جابر وقهر قاهر فيستحقّ الإحسان ، وأنّ المحسن لفرحه بصدور الحسنات منه وزعمه أنّه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب .
خامسها : ما قاله المحدّث الكاشانيّ في الوافي ، قال :
إنّما كان المذنب أولى بالإحسان لأنّه لا يرضى بالذنب كما يدلُّ عليه جبره عليه ، فجبره عليه يستدعي إحساناً في مقابلته ، والمحسن أولى بالعقوبة لأنّه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه ، ومن لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به « 1 » .
وفيه تأمّل .
( تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان ) أي أشباههم ؛ لأنّ عبدة الأوثان الذين كانوا في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله بعضهم كان يقول بنفي الحشر والنشر والثواب والعقاب ، وبعضهم كان يقول بالجبر كما حكى اللَّه تعالى عنهم بقوله :
« وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها »
« 2 » ، أي جعلنا اللَّه مجبورين عليها ، وقوله تعالى :
« وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ
اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ »
« 3 » .
وقيل : إنّما كانوا إخوانهم لأنّ القول بما يستلزم بطلان الثواب والعقاب في حكم القول بلازمه ، والقول ببطلان الثواب والعقاب قول عبدة الأوثان .
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 536 .
( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 28 .
( 3 ) . النحل ( 16 ) : 35 .