تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
ويمكن توجيهه بوجوه : أحدها : أنّه تعالى لمّا أجبر المذنب على القبائح بزعمهم ، والقبائح من حيث هي لذّات حاضرة إحسان ، وأجبر المحسن على الطاعات ، والطاعات من حيث هي مشقّة عقوبة حاضرة ، فكان المذنب أولى بالإحسان والمحسن أولى بالعقوبة ، وتوضيح ذلك : أنّه لمّا بطل الثواب والعقاب والأمر والنهي ، والزجر والوعد والوعيد ، ولم يبق حينئذٍ إلّاالإحسان والعقوبة الدنيويّة ، فيكون المذنب في الدنيا كالسلطان القاهر الصحيح الذي يكون في غاية التنعّم ، ويأتي بكلّ ما يشتهيه من الشرب والزنا والقتل والقذف وأخذ أموال الناس وغير ذلك ، وليس له مشقّة التكاليف الشرعيّة . والمحسن كالفقير المريض الذي يكون دائماً في التعب والنصب من التكاليف الشرعيّة من الإتيان بالمأمورات والانتهاء عن المنهيّات ، ومن قلّة المؤنة وتحصيل المعيشة من الحلال في غاية المشقّة ، فحينئذٍ الإحسان الواقع للمذنب أكثر ممّا وقع للمحسن فهو أولى بالإحسان من المحسن ، والعقوبة الواقعة على المحسن أكثر ممّا وقع على المذنب ، فهو أولى بالعقوبة من المذنب . ثانيها : أن يكون المعنى أنّه لو فرض جريان المدح والذمّ أو استحقاقهما واستحقاق الإحسان والإثابة والعقوبة وترتّبها على الأفعال الاضطراريّة الخارجة عن القدرة والاختيار لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن وبالعكس ؛ لأنّ في عقوبة المسئ على ذلك التقدير جمعٌ بين إلزامه بالسيّئة القبيحة عقلًا وجعله مورداً لملامة العقلاء وعقوبته عليها ، وكلّ منهما إضرار وإزراء به ، وفي إثابة المحسن جمعٌ بين إلزامه بالحسنة الممدوحة عقلًا - ويصير بذلك ممدوحاً عند العقلاء - وإثابته عليها ، وكلّ منهما نفع وإحسان إليه ، وفي خلاف ذلك يكون لكلّ منهما نفع وضرر ، وهذا بالعدل أقرب ، وذلك بخلافه أشبه . ثالثها : أنّ المعصية راحة حاضرة ، والطاعة مشقّة ظاهرة ، وجبرهما على ذلك إمّا لأجل القابليّة أو لأنّه يفعل ما يشاء ولا يقبح منه شيء ، وعلى التقديرين تلزم الأولويّة المذكورة : أمّا على الأوّل فلأنّ الذات غير متغيّرة في النشأتين ، فيلزم أن تكون ذات المذنب