وتظنّ الآن ( أنّه ) كان ( قضاء حتماً ) محكماً مبرماً موجباً بحيث لا يكون في وسع العبد خلافه ، ولا مدخل لاختيار العبد وإرادته فيه ( وقدراً لازماً ) لا اختيار في متعلّقه ولا قدرة على فعله وتركه ؟ بل المراد بهذا القضاء والقدر المتعلّقين بأفعال العباد : الأمر والنهي ، وبيان حسن الأفعال وقبحها ومباحها وحرامها وفرضها ونفلها ، أو العلم بها ، أو الثبت في الألواح السماويّة ، وشئ منها لا يصير سبباً للجبر والاضطرار .
ثمّ أبطل مذهب الجبريّة والأشاعرة بقوله : ( إنّه لو كان كذلك ) أي قضاءاً حتماً وقدراً لازماً ( لبطل الثواب والعقاب ) المترتّبان على الطاعات والمعاصي ، التابعين للاختيار دون الإجبار ( والأمر والنهي ) ؛ إذ طلب الفعل والترك متفرّعان على الاختيار ، ولا يتصوّران مع الإجبار ، فإنّ من طلب الطيران من الإنسان وعدم الإحراق من النار عُدَّ سفيهاً جاهلًا ، تعالى اللَّه عن ذلك .
( والزجر من اللَّه ) ببلاياه النازلة على العصاة بعصيانهم ، وأحكامه تعالى في القصاص والحدود ونحو ذلك ؛ لأنّ زجره تعالى للعبد إنّما يتصوّر إذا كان العبد قادراً مختاراً ، والمفروض خلافه ، ألا ترى أنّك لو زجرت الأعمى عن الإبصار نُسبت إلى السفه .
( وسقط الوعد ) على الثواب ، ( والوعيد ) على العقاب المقصود منهما إتيان الحسنات وترك السيّئات ؛ إذ ذلك لا يعقل من المجبور في أفعاله ، فالوعد والوعيد سفه وعبث ، تعالى اللَّه عنهما .
وأيضاً على هذا التقدير تكون جميع القبائح مستندة إليه تعالى ، ولو جاز ذلك جاز أن يخلف الوعد والوعيد ، ويكرم العاصي ويعاقب المطيع ، ويكذب في الإخبار بأحوال الآخرة ، ويصدّق الكاذب بإظهار المعجزة على يده ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً .
ثمّ أكّده بقوله عليه السلام : ( فلم تكن لائمة للمذنب ، ولا محمدة للمحسن ) ؛ إذ لا معنى لتوجّه اللوم والمدح إليهما مع صدور الذنب والإحسان من غيرهما .
كما حكي أنّه قال عدليٌّ لجبريّ : إنّكم إذا ناظرتم أهل العدل قلتم بالقدر ، وإذا دخل أحدكم منزله ترك ذلك لأجل فِلْس . قال : وكيف ذاك ؟ قال : إذا كسرت جاريته كوزاً يسوى فلساً ضربها وشتمها ونسي مذهبه .
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 158
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص١٥٨