إطاعة الطبيب ومخالفته ، فإنّه من أطاعه وبرء من المرض يُقال : عالجه الطبيب ، ومن خالفه وهلك يقال : أهلك نفسه بمخالفته للطبيب . وهذا تحقيق لطيف تنحلُّ به شبهة الجبر والاختيار ، ويتّضح به معنى الأمر بين الأمرين .
وحينئذٍ فمعنى قوله : ( أمر اللَّه ولم يشأ ) أنّه أعلم العباد وأخبرهم بالأفعال النافعة لهم كالإيمان والطاعة ، ولم يشأ صدور خصوص تلك الأفعال عنهم ، كيف ولو شاء ولم يصدر عن بعضهم لزم عجزه تعالى ومغلوبيّته ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ، بل إنّما شاء صدور الأفعال عنهم بقدرتهم واختيارهم أيّ فعل أرادوه ، فما شاء اللَّه كان .
ومعنى قوله : ( شاء ولم يأمر ) أنّه شاء صدور الأفعال عن العباد باختيارهم أيّ فعل أرادوه ، ولم يأمر بكلّ ما أرادوا ، بل نهاهم عن بعضه وأعلمهم بمضرّته كالكفر والعصيان .
فقوله : ( أمر إبليس أن يسجد لآدم ) أي أعلمه بأنّ سجوده لآدم نافع له ، وكفّه عنه مضرّ له .
و ( شاء أن لا يسجد ) يعني لم يشأ خصوص السجود ، ولو شاء خصوص السجود منه لسجد ؛ لاستحالة عجزه تعالى وغلبة إبليس عليه ، بل إنّما شاء صدور أيّهما كان من السجود وتركه ، أي كفّه بإرادته واختياره .
ولمّا لم يسجد إبليس ، أي كفّ عن السجود بإرادته ، فهو تعالى لأجل ذلك شاء كفّه ، ولمّا كان الكفّ إنّما يتحقّق بمشيّة إبليس وإرادته المؤثّرة ، وهي جزء أخير للعلّة التامّة ، فلذا يستحقّ إبليس الذمّ والعقاب ، والقبح صادر عنه لا عن اللَّه تعالى .
وكذلك الكلام في نهي آدم عن أكل الشجرة .
أقول : وهذا يرجع إلى ما سبق ، وذكرناه لما فيه من زيادة الإيضاح وما ينحلّ به معنى الأمر بين الأمرين .
عاشرها : حملها على التقيّة لكونها موافقة لُاصول الجبريّة ، وأكثر المخالفين منهم .
ويؤيّده ما رواه الصدوق في العيون والتوحيد بإسناده عن الحسين بن خالد ، قال :
قلت للرضا عليه السلام : يا بن رسول اللَّه ، إنّ الناس ينسبونا إلى القول بالتشبيه والجبر ؛ لما روي من الأخبار في ذلك عن آبائك الأئمّة عليهم السلام .
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 129
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص١٢٩