تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
ذهب إليه الأشعريّ ويؤول مذهبه إلى الجبر - أم لا تكون كاسبة أيضاً بمعنى أن لا يكون له قدرة واختيار أصلًا ، بحيث لا يكون فرق بين مشي زيد وحركة المرتعش ، كما ذهب إليه الجبريّة ، وهم جهم بن صفوان ومن تبعه ، وهذا معنى الأمر بين الأمرين . ولمّا كانت مشيّة العبد وإرادته وتأثيره في فعله جزءاً أخيراً للعلّة التامّة ، وإنّما يكون تحقّق الفعل والترك مع وجود ذلك التأثير وعدمه ، فينتفي صدور القبيح عنه تعالى ، بل إنّما يتحقّق بالمشيّة والإرادة الحادثة وبالتأثير من العبد الذي هو متمّم للعلّة التامّة ، ومع عدم تأثير العبد والكفّ عنه بإرادته واختياره لا يتحقّق فعله بمجرّد مشيّة اللَّه سبحانه وإرادته وقدرته ؛ إذ لم يتحقّق مشيّة وإرادة ، وتعلُّق إرادة منه تعالى بذلك الفعل مجرّداً عن تأثير العبد ، فحينئذٍ الفعل لاسيّما القبيح مستند إلى العبد . ولمّا كان مراده تعالى من إقداره العبد في فعله وتمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره وإرادته - إذا لم يكن مانع - أيّ فعل أراد واختار من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، ولم يرد منه خصوص شيء من الطاعة والمعصية ، ولم يرد جبره في أفعاله ؛ ليصحّ تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له ، وكلّفه بعد ذلك الإقدار بإعلامه بمصالح أفعاله ومفاسدها في صورة الأمر والنهي ؛ لأنّهما منه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع ونهيه عن أكل الغذاء الضارّ ، فمن صدور الكفر والعصيان عن العبد بإرادته المؤثّرة واستحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالباً عليه تعالى ، ولا يلزم عجزه تعالى ، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب ولا عجز الطبيب إذا خالفه المريض وهلك ، ولا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشيّة اللَّه تعالى وإرادته ، ولا يلزم الظلم في عقابه ؛ لأنّه فعل القبيح بإرادته المؤثّرة ، وطبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحقّ فاعله العقاب . ولمّا كان مع ذلك الإعلام من الأمر والنهي بواسطة الحجج عليهم السلام اللطف والتوفيق في الخيرات والطاعات من اللَّه جلّ ذكره ، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يُسند وينسب فعلها إليه تعالى ؛ لأنّه مع إقداره وتمكينه له وتوفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات ومضارّ تركها ، والكفّ عنها بأوامره ، وما فعله من سيّئة فمن نفسه ؛ لأنّه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيّئات ومنافع الكفّ عنها بنواهيه ، وهذا من قبيل