تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
ثالثها : أن يكون المراد بمشيّة الطاعة هداياته وألطافه الخاصّة التي ليست من ضروريّات التكليف ، وبمشيّة المعصية خذلانه وعدم فعل تلك الألطاف بالنسبة إليه ، وشئ منهما لا يوجب جبره على الفعل والترك ، ولا ينافي استحقاق الثواب والعقاب . رابعها : أنّ معنى قوله عليه السلام : « أمر اللَّه ولم يشأ » هو أنّه تعالى أمر بشيء ولم يرد تعلّق علمه بوقوع ذلك الشيء ؛ لعلمه بعدم وقوعه . ومعنى قوله عليه السلام : « وشاء ولم يأمر » هو أنّه أراد تعلّق علمه بوقوع شيء ؛ لعلمه بوقوعه ، ولم يأمر بذلك الشيء ؛ لأنّه يكرهه . خامسها : أنّ المراد تهيئة أسباب فعل العبد بعد إرادة العبد ذلك الفعل . سادسها : أنّه لمّا اقتضت المصلحة بتكليف من علم اللَّه منه المعصية وكلّفه مع علمه بذلك ووكله إلى اختياره ، ففعل تلك المعصية فكأنّه شاء صدوره منه ، وكذا في الطاعة إذا علم صدوره منه ، فيسمّى ذلك مشيئة مجازاً ، وهذا مجاز شائع ، كما إذا أمر المولى عبده بأوامر وخيّره في ذلك ومكّنه على الفعل والترك ، مع علمه بأنّه لا يأتي بها ، فيقال له : أنت فعلت ذلك ؛ إذ كنت تعلم أنّه لا يفعل ، ومكّنته ووكلته إلى نفسه . سابعها : أن يقال : المراد بالمشيّة عدم جبره على فعل الطاعة أو ترك المعصية . وبعبارةُ أخرى : سمّي عدم المشيّة : مشيّة العدم ، وهو قريب ممّا قبله ، بل يرجع إليه . ثامنها : أنّه إسناد للفعل إلى العلّة البعيدة ، فإنّ العبد وقدرته وإرادته لمّا كانت مخلوقة للَّه تعالى فهو جلّ وعلا علّة بعيدة لجميع أفعاله . تاسعها : ما تقدّمت الإشارة إليه في الخبر السابق من المشيّة بالتّبع ، وربّما يحقّق بوجه أوضح أخذاً ممّا حقّقه بعض الأفاضل في توجيه قوله عليه السلام : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين » وهو : أنّ فعل العبد واقع بمجموع القدرتين : قدرة اللَّه ، وقدرة العبد ، والعبد لا يستقلّ في إيجاد فعله بحيث لا دخل لقدرته تعالى فيه ، بمعنى أنّه أقدر العبد على فعله ، بحيث يخرج عن يده أزمّة الفعل المقدور للعبد مطلقاً ، كما ذهب إليه المفوّضة ، أو لا تأثير لقدرته تعالى فيه وإن كان قادراً على طاعة العاصي جبراً ؛ لعدم تعلّق إرادته بجبره في أفعاله الاختياريّة ، كما ذهب إليه المعتزلة ، وهذا أيضاً نحو من التفويض ، وليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلًا ؛ سواء كانت كاسبة - كما
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 127 | السيد عبد الله شبر