تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
لمحبّته وشوقه وميل قلبه إلى ذلك الفعل توهّم السائل أنّ له سبحانه صفة زائدة على ما ذكره ، وهي المحبّة والشوق وميل القلب ، فأجاب عليه السلام بأنّه : ليس له تعالى محبّته ، بل إسنادها إليه مجاز ، وهي كناية عن أمره ، أو عدم نهيه ، أو ثوابه ومدحه . الثالث : أنّ المشيّة والإرادة والتقدير والقضاء كلّها من فعل اللَّه سبحانه ، وهي حكم اللَّه في الأشياء على حدّ علمه بها ، وأمّا المشيء المراد والمقدّر المقضيّ الذي يقع في الوجود فإنّه ربّما يكون من فعل العبد الذي يطلبه من اللَّه باستعداده ، وهو قد يكون محبوباً مرضيّاً - كالطاعات - وقد يكون مبغوضاً مسخوطاً - كالكفر والمعاصي - ولا شكّ أنّ الحكم غير المحكوم به والمحكوم عليه ؛ لكونه نسبة قائمة بهما ، فلا يلزم من كون الحكم الذي من طرف الحقّ خيراً أن يكون المحكوم به الذي من جهة العبد خيراً ومحبوباً ، وهذا هو التحقيق في التفصّي عن شبهة مشهورة ، هي أنّه قد ثبت وجوب الرضا بالقضاء ، وعدم جواز الرضا بالكفر والمعاصي ، فإذا كان الكفر والمعاصي بالقضاء فكيف التوفيق ؟ « 1 » الرابع : أنّه لا منافاة بين تعلّق الإرادة والمشيّة بشيء وأن لا يحبّه ؛ لأنّ تعلّق المشيّة والإرادة بما لا يحبّه بتعلّقهما بوقوع ما يتعلّق به إرادة العباد بإرادتهم وترتُّبه عليها ، فتعلّقهما بالذات بكونهم قادرين مريدين لأفعالهم وترتّبهما على إرادتهم وتعلّقهما بما هو مرادهم بالتبع شرّ فيه غير محبوب له ، فإنّ دخول الشرّ وما لا يحبّه في متعلّق إرادته بالعرض جائز ، فإنّ كلّ من تعلّق مشيّته وإرادته بخير وعلم لزوم شرّ له - شرّيّة لا تقاوم خيريّته - تعلّقها بذلك الشرّ بالعرض وبالتبع ، وذلك التعلّق بالتبع لا ينافي أن يكون المريد خيّراً محضاً ، ولا يتّصف بكونه شرّيراً ومحبّاً للشرّ ، ويأتي مزيد تحقيق لذلك . « 2 »
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 520 - 521 . وقد أجاب المحقّق الشعراني عن الشبهة في هامش كتاب الوافي بقوله : وربما يجاب عن الشبهة بالفرق بين القضاء بالذات وبالعرض ، فالمأمور به هو الرضا بما يوجبه القضاء بالذات ، وهو : الخيرات كلّها ، والمنهي عنه هو الرضا بما يوجبه القضاء على سبيل العرض ، وهو الشرور اللازمة للخيرات الكثيرة بالنسبة إلى بعض الجزئيّات . ( 2 ) . انظر : مرآة العقول ، ج 2 ، ص 156 فإنّه أورد فيه الوجهين الأوّلين وكذا الأخير .