ونور أحمر احمرّت منه الحمرة ، ونور أبيض ومنه ضوء النهار » ، « 1 » الحديث .
وقد تحيّرت عقول العلماء وأفهام الفضلاء في معرفة المراد من هذه الأنوار ووجّهوها بوجوه :
أحدها : أنّها على ظاهرها وأنّ للَّهتعالى في عالم الغيب أنواراً متّصفة بالصفات المذكورة ، ولكن لا يراها إلّاأرباب القلوب الصافية عن غواشي الأوهام ، الخالصة عن علائق الأبدان واضطراب الأفهام ، ويظهر ذلك لأرباب العصمة من الأنبياء والأوصياء ، ومن قرب من مرتبتهم لتجرّدهم عن الانهماك في العلائق البدنيّة ، والمستلذّات النفسانيّة ، والمأمورات الحسيّة ، والمشتهيات الحيوانيّة ، والصفات البهيميّة . وهذا أسلم التوجيهات وأوفقها بظاهر الشريعة .
ثانيها : أن يراد بالنور الأخضر علمه تعالى باعتبار تعلّقه بما اخضرّ من الكائنات ، وبالنور الأحمر علمه باعتبار تعلّقه بما احمرّ منها ، وبالنور الأبيض علمه باعتبار تعلّقه بما ابيضّ منها .
ويؤيّده رواية الصدوق في التوحيد ، الحديث المتقدّم هكذا : « إنّ نور اللَّه منه اخضرّ ما اخضرّ ، ومنه احمرّ ما احمرّ ، ومنه ابيضّ ما ابيضّ » ، وغير ذلك .
وفيه : أنّ هذا التوجيه لا يتمشّى في غير الخبر المذكور ، فإنّ بعضها يشعر بأنّ هذه الأنوار مخلوقة للَّهتعالى .
ثالثها : للمحقّق الفيلسوف الصدر الشيرازيّ ، قال :
الحجُب النورانيّة متفاوتة النوريّة ، بعضها أخضر ، ومنه أحمر وأبيض ، ومنه غير ذلك ، فالنور الأبيض ما هو أقرب من نور الأنوار ، والأخضر ما هو أبعد منه ، فكأنّه ممتزج بضرب من الظلمة ؛ لقربه من ليالي حجُب الأجرام الفلكيّة وغيرها ، والأحمر هو المتوسّط بينهما ، وما بين كلّ اثنين من الثلاثة من الأنوار ما يناسبها ، فاعتبر بأنوار الصبح والشفق المختلفة في الألوان ؛ لقربها وبعدها من نور الأنوار الحسيّة أعني نور الشمس ؛ فالقريب من النهار هو الأبيض ، والبعيد منه الممتزج
هامش
( 1 ) . التوحيد ، ص 325 ، ح 1 ؛ الاختصاص ، ص 72 .