غافر له سواه . وثالثاً : إنّه مخلوقه تعالى ، وإنّ وجوده منه ، ولا حول ولا قوّة له إلّابه ، ولا يرجع ولا يلتجئ المخلوق إلّاإلى خالقه ، وهذه الجملة استفهام تقريري ، أي أنّ رجوع المخلوق إلّاإلى خالقه أمر واضح لا سترة عليه ولا ريب فيه .
« إلهي لو قرنتني بالأصفاد » قرنه : أي شدّه ، من قرن الشيء بالشيء شدّه ، والصفد :
الوثاق ، قال سبحانه :
« وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ »
، « 1 » وقال عزّ وجلّ :
« وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ » .
« 2 » يعني يا إلهي لو قرنتني بالوثاق كالمجرمين أو معهم .
« ومنعتني سيبك من بين الأشهاد » السيب : العطاء والأشهاد جمع شاهد ، يقول سبحانه :
« وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ »
، « 3 » أي منعتني عطاءك من بين الأشهاد أي الحاضرين ، لعلّ المراد هو أن يعطي كلّ الحاضرين ويمنعه .
« دللت على فضائحي عيون العباد » أي رفعت الستر الذي سترت بها سيّئاتي وذنوبي في الدنيا ، ودللت العيون على مشاهدة عيوبي ، وهذا بعد رفع الستر ، أي وجّهت عيون الناس لمشاهدة عيوبي حتّى لم يبق أحد غافلًا ولا ذاهلًا عنالنظر ، وعرّفت كلّهم بما ارتكبت وجنيت .
« وأمرت بي إلى النار » بعد أن قرنتني بالأصفاد ، ومنعتني سيبك ، ثمّ فضحتني بين العباد البرّ والفاجر والقريب والبعيد الّذين كنت أكتم عنهم عيوبي ، ثمّ أمرتني إلى النار .
« وحلت بيني وبين الأبرار » الأبرار : جمع البرّ ، من برّ والده ، أي أحسن الطاعة ورفق به وتحرّى محابّه ، وتوقّى مكارهه ، ولعلّ الترتيب الذكري تدلّ على الترتيب في الشدّة والصعوبة ، وآخرها مفارقة الأبرار ، كما في دعاء كميل : «
فلئن صيّرتني للعقوبات مع أعدائك ، وجمعت بيني وبين أهل بلائك ، وفرّقت بيني وبين أحبّائك وأوليائك ، فهبني يا إلهي وسيّدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك . . .
» ، هذا بيان لأنواع العقوبات المرتّبة على المعاصي يوم القيامة وجعلها خمسة أنواع .
« ما قطعت رجائي منك وما صرفت تأميلي للعفو عنك » بيان لأُمور يلزم العبد المنعم عليه حينئذٍ بعد معرفته للَّهتعالى :
هامش
( 1 ) . إبراهيم : 49 .
( 2 ) . ص : 38 .
( 3 ) . هود : 18 .