ويستفاد من هذا القول : إنّ الشريف أبا أحمد كان بطل حرب وسياسة ، فضلًا عن كونه رجل عِلمٍ وزعيم قوم ، إلّاأنّنا لم نقف له في التاريخ على أنّه خاض حرباً أو دخل معركة .
فلهذه الملكات الحميدة ، والصفات المجيدة ، والهيبة الشديدة ، خشيه عضد الدولة البويهي ؛ ولأنّه كان منحازاً لابن عمّه بختيار بن معز الدولة ، فحين قدم العراق قبض عليه في صفر سنة ( 369 ه ) ، « 1 » وحمله إلى قلعة بشيراز اعتقله فيها ، فلم يزل بها إلى أن مات عضد الدولة سنة ( 373 ه ) ، فأطلقه أبو الفوارس شرف الدولة بن عضد الدولة ، واستقدمه معه إلى بغداد فأكرمه ، وأعظمه ، وأعاد إليه نقابة الطالبيين - الّتي عزل عنها ووليها مراراً - وقلّده قضاء القضاة سنة ( 394 ه ) زيادة إلى ولاية الحجّ والمظالم ونقابة الطالبيين ، وكان التقليد له بشيراز ، وكتب له عهده على جميع ذلك ، ولقّب بالطاهر الأوحد ذي المناقب ، فلم ينظر في قضاء القضاة ؛ لامتناع القادر باللَّه من الإذن له بذلك . « 2 »
وكان الشريف أبو أحمد كثير السعي في الإصلاح ، ميمون الوساطة ؛ لذا كثرت سفاراته لبركة وساطته بين خلفاء بني العباس وملوك بني بويه والامراء من بني حمدان وغيرهم .
وتوفّي الشريف المذكور بعد أن حالفته الأمراض وذهب بصره ببغداد سنة أربعمئة ، ليلة السبت لخمس بقين من جُمادى الأولى ، ودُفن في داره ، ثمّ نقل منها إلى مشهد أبي عبداللَّه الحسين بن علي عليهما السلام في كربلاء المقدّسة ، ودُفن في تلك الروضة المقدّسة عند جدّه إبراهيم بن الإمام موسى عليهما السلام ، بعد إن عمّر سبعاً وتسعينسنة ، وقد رثته الشعراء مرّات كثيرة ، وممّن رثاه ابنه بالقصيدة الّتي مطلعها :
هامش
( 1 ) . المنتظم : ج 7 ص 198 .
( 2 ) . المصدر السابق : ص 226 - 227 .