تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل التفسير — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ومن اجمع الأوصاف الّتى يذكرها القرآن لنفسه انّه ذكر اللّه ، فإنه يذكر به تعالى بما انه آية دالة عليه حيّة خالدة ، وبما انّه يصفه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، ويصف سنّته في الصنع والايجاد ، ويصف ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه واحكامه وما ينتهي اليه امر الخلقة ، وتفاصيل ما يؤول اليه امر الناس من السعادة والشقاوة والجنّة والنار . ففي جميع ذلك ذكر اللّه وهو الّذى يرومه القرآن باطلاق القول بانّه ذكر ، ونجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئا من معنى الذّكر . ولكون هذا الوصف من اجمع الصفات في الدلالة على شؤون القرآن عبّر عنه به في الآيات الّتى اخبر فيها عن حفظ القرآن عن البطلان والتغيير والتحريف كقوله تعالى :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
انتهى ما افاده ملخصا . وهو وان كان غير خال عن المناقشة ، ضرورة انّ ما افاده انما يجدى لنفى الزيادة الكثيرة ، أو النقيصة المتعددة في مواضع متكثرة ، كما يدعيه القائل بالتحريف ، المستند إلى الروايات الكثيرة الدالة عليه ، وامّا احتمال زيادة يسيرة أو نقيصة يسيرة كما فرضه في اوّل البحث ، فالدليل لا يثبت نفيه ، ولا يجدى لدفعه أصلا ، أفيكفي هذا الدليل لاثبات انه لم تسقط كلمة في « علىّ » بعد قوله :
« بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ »
فإنه على كلا التقديرين - سواء كانت هذه الكلمة موجودة أم لم تكن - لا يختل شيء من أوصاف القرآن ، ولا يوجب نقصا في التحدّى ، ولا خللا في الجهات المتعددة الّتى يدل عليها القرآن من أصول المعارف وكليات الشرائع ، وتفاصيل الفضائل ، ونقل القصص والاخبار بالملاحم وبالتالي كونه ذكرا الّذى هو - كما اعترف به - اجمع الصفات في الدلالة على شؤون القرآن ، الّا ان له مع ذلك صلاحية للتأييد ممّا لا ينبغي الارتياب فيه . ثمّ ان هذه الأمور الثلاثة الدالة على عدم التحريف مما يمكن التمسك بها من نفس الكتاب العزيز .