الّا ان الاختلاف في مثل كلمة « مالك » و « ملك » يستلزم ذلك على التقدير المذكور وفرض عدم تواتر القراءات ، ضرورة ان تخصيص أحدهما بالاتّصاف بوصف القرآنية تحكم ، فلا محيص عن الالتزام بتواتر كليهما ، حذرا عن خروج بعض القرآن عن كونه غير متواتر .
وهذا الدليل محكي عن ابن الحاجب ، وارتضاه جماعة ممّن تأخر عنه .
والجواب :
انه ان كان المدّعي هو تواتر خصوص القراءات السبع - كما هو الظاهر - فيرد عليه عدم اقتضاء الدليل ذلك ، فان مقتضاه - على فرض تماميّته - تواتر جميع القراءات ، خصوصا مع ما عرفت من تصريح بعض المحققين من علماء أهل السنّة بان فيمن عدا القراء السبعة من هو أعلى رتبة واجلّ قدرا من السبعة ، بل قد عرفت في كلام أبي محمّد مكي المتقدم انه قد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ، ممّن هو أعلى رتبة ، واجلّ قدرا من هؤلاء السبعة . ومن الواضح انه لا دخل للأوثقية والارجحيّة في ذلك . وبالجملة : الدليل - على فرض صحّته - يقتضى تواتر جميع القراءات ، من دون رجحان ومزيّة لبعضها على البعض الآخر .
وان كان المراد هو تواتر جميع القراءات ، فيرد عليه - مضافا إلى وضوح بطلان هذه الدعوى ، بحيث لم يصرح بها أحد من القائلين بتواتر القراءات ، بل ولم يظهر من أحد منهم - منع الملازمة ، فان الاختلاف ان كان في الكلمة مطلقا - مادة وهيئة - لكان لها سبيل ، وامّا في مثل المثال مما يكون الاختلاف راجعا إلى الكيفية والهيئة فقط ، فتواتر القرآن انّما تتصف به المادة فقط ، والاختلاف لا ينافي تواترها . نعم يكون موجبا لالتباس ما هو القرآن بغيره ، وعدم تميزه من حيث الهيئة كعدم التميّز من حيث الاعراب في مثل كلمة « والارحام » .
وقد انقدح من جميع ما ذكرنا عدم اتصاف شئ من القراءات السبع أو العشر بالتّواتر ، فضلا عن غيرها ، هذا تمام الكلام في المقام الاوّل .