الحوادث والوقائع والمسائل والأمور ، أصلها مسلم متفق عليه ، وخصوصياتها مشكوكة مختلف فيها ، وذلك كواقعة الطف الكبرى ، فان حدوثها ووقوعها من الواضحات البديهيّة ، وكيفيتها مختلف فيها ، وكهجرة النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فان تواتر أصلها لا يستلزم تواتر خصوصياتها ، وبالجملة : فدعوى الملازمة بين اتصاف أصل الشيء بالتواتر وبين اتصاف خصوصياتها به أيضا ممنوعة جدّا .
وثانيا : منع كون أصل القرآن وأصلا الينا بتوسط خصوص أولئك الحفاظ والقرّاء ، بحيث لو لم يكونوا لما كان القرآن وأصلا إلى الخلف ، فان ذلك مستلزم لعدم اتصاف الأصل بالتواتر أيضا ، بل من الواضح ان وصول القرآن الينا كان بالتواتر بين المسلمين ، ونقل الخلف عن السلف ، والتحفظ على ذلك في صدورهم وكتاباتهم ، وذكرها في أمورهم وشؤونهم ، ولم يكن للقراء بأجمعهم فضلا عن السبعة أو العشرة دخل في ذلك أصلا ، وحينئذ فتواتر القرآن الثابت بنقل المسلمين بهذا النحو كيف يكون ملازما لتواتر القراءات السبع أو العشر ، وكيف يقاس أصل القرآن بخصوصيات القراءات ؟ ! .
ثم على تقدير كون مراد المستدلّ تواتر خصوص القراءات السبع أو العشر - كما هو الظاهر - يكون بطلان الدليل أوضح ، لان دعوى الملازمة بين تواتر أصل القرآن وبين تواتر خصوص هذه القراءات - مع وضوح عدم كون القرآن وأصلا إلى الخلف ، بتوسط خصوص هؤلاء القرّاء المعدودين ، والنفر المحصورين - ممّا لا يكاد يصدر ادّعاؤها ممّن له أدنى حظ من العلم ، وأقل نصيب من الانصاف والعدالة ، كما لا يخفى على أولى النّهى والدّراية .
الرّابع : ان اختلاف القراءات قد يرجع إلى الاختلاف في أصل الكلمة كالاختلاف الواقع بينهم في قراءة « ملك » و « مالك » وحينئذ لو لم تكن القراءات متواترة فيلزم ان يكون بعض القرآن غير متواتر ، فان الاختلاف في اعراب مثل كلمة « والارحام » وان لم يكن مستلزما لعدم تواتر القرآن على فرض عدم تواتر القراءات ،
مدخل التفسير — صفحة 150
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٥٠