مع أنه سرق قوله في معارضة سورة الكوثر من مسيلمة الكذاب الذي يقول :
« انا أعطيناك الجماهر ، فصل لربك وهاجر ، انّ مبغضك رجل كافر » وكم من المماثلة والسنخيّة بين السارق والمسروق منه ، من جهة اعتقاد كليهما ببطلان مدّعاهما ، ووقوعهما مغلوبين لهوى النفس وحبّ الجاه والطمع في مطامع الدنيا الزائلة غير الباقية ، والغفلة عن عالم الآخرة ، والعقوبات المعدّة لمضلّى النّاس . وامّا المقايسة بين ما ذكره وبين الكتاب الّذى لا يقايس عليه شئ ، وليس كمثله كتاب ، فنقول :
ان تبديل كلمة « الكوثر » بلفظ « الجواهر » مما لا مسوّغ له ، فان اعطاء الجواهر التي هي من شؤون هذه الدنيا الدّنية وزخرفها ، ومن الأمور المادية المحضة لا يناسب مع التأكيد والاتيان بكلمة « انّ » ثم الاسناد إلى ضمير الجمع ، فان العطية الالهيّة والعناية الربّانية لا تلائم هذا النحو من الذكر ، والتعبير الكاشف عن العظمة والاهميّة ، إذا كانت من الأمور الماديّة الفانية غير الباقية ، وهذا بخلاف لفظ « الكوثر » الذي معناه هو الخير الكثير العام الشامل للجهات الدنيوية والاخرويّة معا ، امّا في الدّنيا فشرف الرّسالة والهداية والزعامة وكثرة الذريّة من البضعة الطاهرة صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى يوم القيامة ، الموجبة لبقاء الاسم ، وعدم النسيان ما دامت الدنيا باقية ، وامّا في الآخرة فلا تعد ولا تحصى من الشفاعة والجنان وحوض الكوثر ، وغيرها من نعم اللّه تعالى .
ثمّ ما المناسبة بين اعطاء الجواهر وبين ايجاب الصلاة المتفرع عليه ، فان الصلاة - التي هي معراج المؤمن ، وعمود الدين ان قبلت قبل ما سواها وان ردّت ردّ ما سواها ، وهي الّتى اثرها النّهى عن الفحشاء والمنكر ، وهي التي تناسب مقام التقوى ، وتكون قربان كل تقىّ ، وهي التي خير موضوع من شاء استقل ، ومن شاء استكثر - لا ملائمة بينها وبين اعطاء الجواهر ، التي هي من النعم الدّنية الفانية ، وهذا بخلاف ترتب الصلاة على الكوثر بالمعنى الذي عرفت ، فان شدة الملائمة بين الامرين ، وكمال المناسبة بين المعنيين غير خفى ، كما أن ترتب النّحر بناء على أن يكون المراد به هو النحر بمعنى ، أو نحر الأضحية في الأضحى واضحة ، ضرورة ان ذلك انّما هو لأجل
مدخل التفسير — صفحة 128
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٢٨