بمثل ما ذكر ، بعد ما لم يكن في تلك القرون من كان قادرا على الاتيان بمثله ، وإذا كان الامر كذلك فكان ينبغي له ادّعاء النبوة والتحدّى بما اتى به من الكلمات ، لانّ المفروض عدم قدرة غيره على الاتيان بمثله والّا لاتى به .
فمتى ينزل البشر عن مركب الهوى والعصبية المهلكة ، ومتى يلقى زمام أمور عقائده وافعاله على العقل السليم ، ومتى ينكشف له ان اضلال الناس بما لا يعتقد به من أشد المعاصي وأعظم الجرائم ، وممّا لا يستأهل لان يعفى عنه ، ويغض منه ، ولكن الأسف - كماله - من جهل النّاس ، وبعدهم عن الحقائق ، وتخيّلهم ان مثل كاتب الرسالة ممّن له حظ وافر من العلم ، ولا يقصد من نشر رسالته الّا نشر العلم ، وكشف الحقيقة ، مع أنه من الواضح كون مثله أجيرا لعمّال الاستعمار ، ناشرا لأفكارهم السخيفة ، ونواياهم السيّئة التي لا تنتهى الّا إلى خذلان المسلمين ، وتضعيف عقائدهم ، ونهب أموالهم ، والسلطة عليهم ، كما هو ظاهر .
ولعمري ان مثل ذلك مما يوجب الطمأنينة للنفس بان البشر مع ادّعائه السير الكمالي ، والرّقى العلمي لا يكون الّا في القوس النزولي ، والسير الانحطاطى ، فان العرب في الجاهلية - مع شدة تعصبهم ، وبعدهم عن الحقائق والمدنيّة - قد عرفوا حقيقة المعارضة ، واعترفوا بعجزهم عن الاتيان بما يماثل القرآن ، مع كون امتيازهم في ذلك العصر ، من حيث البلاغة والفصاحة فقط ، فلذا آمن به بعض ، وقال غيره : « ان هذا الّا سحر يؤثر » ، وامّا في هذا العصر فلا معرفة لمثل الكاتب بهذه الحقيقة ، فتراه يأتي بمثل ما ذكر بعنوان المعارضة ، ويفتخر بهذا المبلغ العلمي ، وهذه الدرجة من الادراك .
وبالجملة : فمعنى المعارضة الراجعة إلى الاتيان بما في عرض الكلام الاوّل ، وفي رتبته ودرجته عبارة عن الاتيان بكلام مستقل في جهاته الراجعة إلى ألفاظه وتركيبه وأسلوبه ، ومع ذلك كان متّحدا مع الكلام الاوّل في جهة من الجهات ، أو غرض من الاغراض ، وهذا المعنى لا يكون موجودا في الجمل المذكورة .
مدخل التفسير — صفحة 127
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٢٧