ما كتبه في ذلك .
قال الرّافعى صاحب كتاب « اعجاز القرآن » في تعريف الرجل : « زعموا انه اشتغل بمعارضة القرآن مدّة ، ثم مزّق ما جمع واستحيا لنفسه من اظهاره » ثم قال :
« وهذا عندنا انّما هو تصحيح من بعض العلماء ، ولما تزعمه الملحدة من أن كتاب « الدرة اليتيمة » « 1 » لابن المقفع ، هو في معارضة القرآن فكان الكذب لا يدفع الّا بالكذب ، وإذا قال هؤلاء ان الرجل قد عارض واظهر كلامه ثقة منه بقوّته وفصاحته ، وانه في ذلك من وزن القرآن وطبقته ، وابن المقفع هو من هو في هذا الامر قال أولئك : بل عارض ومزّق واستحيا لنفسه .
اما نحن فنقول : ان الرّوايتين مكذوبتان جميعا ، وان ابن المقفع من ابصر النّاس باستحالة المعارضة ، لا لشئ من الأشياء الّا لأنه من أبلغ الناس ، وإذا قيل لك : ان فلانا يزعم امكان المعارضة ، ويحتج لذلك ، وينازع فيه فاعلم أن فلانا هذا في الصّناعة أحد رجلين اثنين : امّا جاهل يصدق في نفسه ، وامّا عالم يكذب على النّاس ، وان يكون ( فلان ) ثالث ثلاثة ، وانما نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء النّاس ، لان فتنة الفرق الملحدة انما كانت بعده ، وكان البلغاء كافة لا يمترون في اعجاز القرآن ، وان اختلفوا في وجه اعجازه ، ثم كان ابن المقفع متّهما عند الناس في دينه ، فدفع بعض ذلك إلى بعض ، وتهيأت النسبة من الجملة ، ولو كانت الزندقة فاشية ايّام عبد الحميد الكاتب ، وكان متّهما بها ، أو كان له عرق في المجوسيّة لما اخلته
هامش
( 1 ) كتب في الذيل في شأن الكتاب : « طبع هذا الكتاب مرارا وهو من الرسائل الممتعة ، يعد طبقة من طبقات البلاغة العربية ، ولكنه في المعارضة ليس هناك لا قصدا ولا مقاربة ، ونحن لا نرى فيه شيئا لا يمكن ان يؤتى بأحسن منه ، وما كل ممتع ممتنع .
وقال الباقلاني : انه منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة ، وهذا هو الرأي ، فان ابن المقفع لم يكن الا مترجما ، وكان ينحط إذا كتب ، ويعلو إذا ترجم ، لان له في الأولى عقله ، وفي الثانية كل العقول ، وفي « اليتيمة » عبارات وأساليب مسروقة من كلام الامام علي ( ع ) » .