أيها الناس من أنفسكم اى من جنسكم ذكورا وإناثا وخلق الانعام أيضا من أنفسها ذكورا وإناثا يبثكم ويكثركم أيها الناس والانعام في هذا التدبير والجعل لما فيه من التمكن من التوالد والتناسل فهو كالمنبع والمعدن للبث والتكثير فقوله ( يذرؤكم ) خطاب شامل للناس المخاطبين والانعام المذكورة بلفظ الغيبة ففيه تغليب المخاطب على الغائب والا لما صح ذكر الجميع اعني الناس والانعام بطريق الخطاب لان الانعام غيب وتغليب العقلاء على غيرهم والا لما صح خطاب الجميع بلفظ كم المختص بالعقلاء ففي لفظ كم تغليبان ولولا التغليب لكان القياس ان يقال يذرؤكم وإياها كذا في الكشاف والمفتاح وغيرهما * ولقائل ان يقول جعل الخطاب شاملا للانعام تكلف لا حاجة اليه لان الغرض اظهار القدرة وبيان الالطاف في حق الناس فالخطاب مختص بهم . والمعنى يكثركم أيها الناس في هذا التدبير حيث مكنكم من التوالد والتناسل وهيأ لكم من مصالحكم ما تحتاجون اليه في ترتيب المعاش وتدبير التوالد ( والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون وجعلها أزواجا ) تبقى ببقائكم وتدوم بدوامكم وعلى هذا يكون التقدير وجعل لكم من الانعام أزواجا وهذا انسب بنظم الكلام مما قدروه وهو جعل الانعام من أنفسها أزواجا * ومنه تغليب الموجود على ما لم يوجد كما إذا وجد بعض الشئ وبعضه مترقب الوجود فيجعل الجميع كأنه وجد كقوله تعالى
( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ )
والمراد المنزل كله وان لم ينزل الا بعضه * ومنه تغليب ما وقع بوجه مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه كقوله تعالى
( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) *
ذكر الأيدي لان أكثر الاعمال يزاول بالأيدي فجعل الجميع كالواقع بالأيدي تغليبا ( ولكونهما ) تعليل لقوله كان كل قدم ليثبت الحكم من أول امره معللا فيكون له في النفس استقرار لا يكون لما يذكر تعليله بعده اى ولكون