ثانيها : الفلك الذي حركة بطيئة تضاف له يسمّى بفلك الثوابت [ 14 ] .
و
شرح
[ 14 ] سمّي هذا الفلك بفلك الثوابت لأن الهيوي من حيث هو هيوي لا يثبت فضلا في الفلكيات ، ففي الهيئة المجسمة تخيّلوا الكواكب الثابتة في فلك مجسم ثم حصّلوا أطوالها وعروضها وسائر أوضاعها في المراصد بالنسبة إلى الأرض ، وإنما اقتفى الفلاسفة أثرهم ذلك في الطبيعيّات فقالوا بمثل ما تخيّلوا .
وسمّي بفلك الثوابت لأنّ المتقدمين من المتفكرين في خلق السماوات والأرض لم يجدوا كواكبه متحركة بغير الحركة اليومية حتى جاء أبرخس ( هيپارك ) ووجد للثوابت القريبة من المنطقة حركة ما نحو المشرق ولم يقدر على تعيين مقدارها ، ثم جاء بطليموس صاحب المجسطي فوجدها متحركة في كل مائة سنة شمسية درجة واحدة .
اعلم أن من الكلمات السامية في تسمية الثوابت بالثوابت ما هو مذكور في أول الفصل الأول من المقالة السابعة من المجسطي ، ونحوه ما في أول الفصل الثاني من الباب الأول من المقالة التاسعة من القانون لأبي ريحان البيروني ( ط 1 - حيدرآباد الدكن - ص 988 ) ، وخلاصة ما أفادا من التسمية هي ثبات ما بين تلك الثوابت من الأبعاد على وتيرة واحدة ، ولمزيد الفائدة نأتي بخلاصة ما أفاده كل واحد منهما :
ففي الفصل المذكور من المجسطي بتحرير المحقق الطوسي « في أن الثوابت حافظة لأوضاعها أبدا : من الصواب تسمية هذه الكواكب بالثابتة لا لكونها جميعا كالملتحمة في كرة يتحرك نحو المشرق حركتها الخاصة فإن التسمية بالثبات من هذا الوجه غير لائق بها بل لثبات أوضاعها وأبعاد ما بينها ، ويدلّ على الأمرين وجودها كذلك في الأزمنة الماضية إلى زماننا ، وقد حكم أبرخس أيضا بهما من اعتباره للأمور الظاهرة إلا أن حكمه كان بالحدس والتقريب أشبه منه باليقين والتحقيق لأن ما وقع إليه من أرصاد القدماء كانت يسيرة جدا ، وكادت أن تكون أرصادا دونها أرسطلس وطيموخارس لا غير ، وهي مع ذلك لم تكن محصّلة ولا مستقصاة ، وقد انضاف إلى ذلك ما شاهدناه إلى زماننا موافقا لما تقدّم فزادت الثقة بطول الزمان ، ويكون ما وقع إلينا من أرصاد أبرخس محصّلة في غاية الاستقصاء . . . » .
وأما ما أفاده البيروني في الموضع المذكور من القانون في علّة تسمية الثابتة بالثبات فهو أنّ « إحدى علل ذلك هو ثبات ما بينها من الأبعاد على وتيرة واحدة لم يختلف في المنظر قط ، والأخرى ثبات عروضها عن منطقة البروج على مقدار واحد فكأنها بها بين الصفتين ساكنة على جسم واحد يديرها بأسرها إدارة واحدة كتحريك السفينة من في حيزومها ومن في كوثلها ومن فيها بينها حركة واحدة مع سكونهم .
فقد ذكر بعض المعلّلين لهذا المعنى أن القدماء لم يكونوا تنبّهوا لما لها من الحركة وكانوا يبرونها عنها ويظنون أنها ثابتة لا تتحرك البتة وهذه أوهى العلل فلسنا نعرف من لم يأتنا بناؤه ولا يعلمهم إلّا اللّه وحده .