ارتفع منه بخار كالدّخان ، فخلق منه السماوات وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض ، ثم أرسيها الجبال » . [ 16 ] ونقل صاحب « الملل والنحل » عن ثاليس الملطي أنه قال : « المبدء الأول أبدع العنصر [ 17 ] الذي فيه صور الموجودات [ 18 ] والمعدومات ، كلّها فانبعث منه كل صورة موجودة في العالم على المثال الذي في العنصر الأول » . [ 19 ] إلى آخر ما قال .
وقد أشرنا إلى مذهبه هذا في مسئلة علم الواجب . [ 20 ] فلا يبعد أن يكون المراد بالماء كما في قوله تعالى [ 21 ] :
« وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
[ 22 ] الوجود المنبسط المعبّر عنه في اصطلاح العرفاء بالنفس الرحماني ، [ 23 ] ثم تطبيق الباقي ، لا يخفى [ 24 ]
شرح
[ 16 ] ولم نجد هذه العبارة في التوراة راجع الملل والنحل ، ج 2 ، ص 64 ، تحقيق محمد سيد گيلانى ، ط بيروت دار صعب . ( م . ط )
[ 17 ] هذا ظاهر في العقل الأول ، لأن العنصر بمعنى الأصل - وهو الأصل الفاعلي - بقدرة اللّه تعالى للعالم الطبيعي . والركن الأعظم القوامي للعالم بمعنى جميع ما سوى اللّه .
[ 18 ] الظاهر أن ذلك العنصر هو الصادر الأول ، ولا يبعد أن يكون الدخان مؤوّلا إليه أيضا . ثم إن رسالتنا الفارسية في اللوح والقلم المطبوعة مع تسع رسائل أخرى لنا فارسية أيضا « ده رساله فارسي » سيّما الفصل الثاني منها نعم العون هي في النيل بمعاني هذه الكنوز المرموزة . ( ح . ح )
[ 19 ] الملل والنحل ، ج 2 ، ص 62 . ( م . ط )
[ 20 ] شرح المنظومة ، ج 3 ، ص 571 ، هذا الطبع . ( م . ط )
[ 21 ] فإن الماء في هذه الآية الشريفة إن حمل على الماء الطبيعي ، لزم أن يكون العقل والنفس الكليان والجزئيان منه لعموم« كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »فإن أكمل أفراده الحيّ بالذات لا الأبدان التي هي الأحياء بالعرض . وإن حمل على ماء العلم لم يشمل الحي بالعرض ، فليحمل على ماء الحياة الساري في كلّ ماهية ، وهو الوجود المنبسط ، كما هو تأويل قوله تعالى :« أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ». والنفس الإنساني حياته أو كاشف حياته ، ولهذا سمي الوجود المنبسط نفسا رحمانيا ولإطلاقه كالنفس الإنساني .
[ 22 ] سوره الأنبياء ، آية 30 .
[ 23 ] شرح فصوص الحكم ، قيصري ، فص هودية ، ص 735 ، تصحيح سيد جلال الدين آشتيانى . ( م . ط )
[ 24 ] فمن لطيفه عالم العقل والنفس - المعبّر عنهما بالنّار والهواء - ومن كثيفة عالم المثال وعالم الطبيعة - المعبر عنهما بالأرض - وأمّا في التوراة من نظر الهيبة فهو قهّارية اللّه وذوبان أجزاء الجوهر انقهاره تحت سطوع نوره تعالى ، ثم البخار المرتفع لطيف ذلك الماء لأن البخار أجزاء رشية مائية لطيفه ، والسماوات عالم العقول والنفوس . وأمّا الزبد فهو كثيف ذلك الماء ، فالأرض عالم الصورة والجبال أجزاؤه .