كالشيخ ، فإنّه مع تبدّلاته البيّنة من أوّل تكوّنه إلى آخر عمره عين الشارخ شرخ الشباب ، أوّله الطار من طر ، أي نبت شاربه جديدا فهو طارّ وطرير - فالتخفيف للضرورة [ 44 ] - أو المراد الطاري ، أي الحديث السن وجديده الصّبي ، هذا المصراع تنظير للعالم الكبير [ 45 ] بالعالم الصغير كما قال تعالى :
« ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ »
[ 46 ] فإن الإنسان مع تبدّلاته البيّنة روحا وجسدا ، حيث إنه في أول تكوّنه
لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
[ 47 ] ، وبعده ليس ، إلّا كفوا للعناصر ، وفي المراتب التالية ليس إلّا أعجز موجود ، ثم يتدرج في الكمال حتّى يصير إن شملته العناية الإلهية حكيما عالما بالحقائق ، وملكا مقتدرا يملك الشرق والغرب شيء واحد ، ومع أنه « أين البيضاء من الحرباء » فذلك الملك المقتدر الحكيم الذي لعلّه يستأهل لأن يكون خليفة اللّه في الأرض [ 48 ] ، عين ذلك الهيكل المحسوس الذي كان أعجز الخليفة ، أمّا في
شرح
[ 44 ] يعني أن الطار إما مضاعف مشتق من الطرور كالمارّ من المرور فيجب أن يقرأ الطار في البيت مخفّفا لا مشدّدا للضرورة الشعرية ، وإما ناقص واوي من الطراوة كالتالي من التّلاوة فأبدلت واوه ياء لأنّه كانت في الطرف والياء أخفّ ، ثم حذف الياء في البيت للضرورة أيضا . ( ح . ح )
[ 45 ] يعني بالعالم الصغير هاهنا الإنسان ، وكثيرا ما يعبرون بالإنسان عن العالم الكبير ، والأمر في ذلك ما قاله العارف الرومي في المثنوي المعنوي :پس به صورت عالم أصغر تويى * پس به معنى عالم أكبر تويىوفي الديوان المنسوب إلى الوصي الإمام أمير المؤمنين علي ( ع ) :وتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبرولكن البيت من علي بن أبي طالب القيرواني أسند إليه ( ع ) وكم له من نظير في ذلك الديوان . ( ح . ح )
[ 46 ] سورة لقمان ، آية 28 .
[ 47 ] إشارة إلى قوله سبحانه في أول الدهر من القرآن الكريم :« هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ». وقوله : « يملك الشرق والغرب » كثيرا ما يعبّرون عن عالم الأرواح بالشرق ، وعن عالم الأجسام بالغرب ووجهه ظاهر . ( ح . ح )
[ 48 ] والخليفة إنما هو بصفات مستخلفه وإلا لم يكن خليفة له ، والخليفة يخبر عن مقامه الارتقائي والصعودي بأنه بلغ إلى مرتبة الصادر الأوّل والعقل الأول فيقول أول ما خلق اللّه نوري ، على التفصيل الذي حررناه في تعليقة على تمهيد القواعد .
ثم إنّ المصنف ناظر في هذه العبارات إلى آخر إلهيات الشفاء : « ورؤوس هذه الفضائل عفّة وحكمة