ومعنى اعتبار صورة مّا أو مقدار مّا في جانب الموضوع ، ليس أن هنا صورة مثلا متحركة وأخرى هي ما فيه الحركة كما يتوهّمه العقل المشوب ، بل التفاوت بينهما كالتفاوت بين الكلي الطبيعي والفرد ، ومعلوم أنهما موجودان [ 7 ] بوجود واحد ، فيرد على الهيولى بنحو الاتصال التدريجي أفراد الصور . وإذ لا حاجة للهيولي إلى خصوصية شيء منها .
يقال : إنها محتاجة إلى طبيعتها الكلية ، فما دامت تلك الطبيعة محفوظة بتعاقب الأفراد كانت الهيولى باقية ، ولا نجد فرقا بين حالة الكون والفساد [ 8 ] حيث حكموا فيها ببقاء الهيولى بصورة ما وبين الحركة الجوهرية حيث حكموا فيها بعدم بقائها ، بل الثاني أقرب إلى البقاء لاتصال الصور فيه .
إن قلت : الشيء ما لم يتشخّص لم يُوجَد وما لم يُوجَد لم يُوجِد ، فكيف تكون صورة ما علة لوجود الهيولى قلت : العلة الحقيقية كما أشير إليه [ 9 ] لوجودها وتشخصها هي الواحد بالعدد الذي هو المفارق [ 10 ] ، وأما الواحد بالعموم من الصورة
شرح
[ 7 ] يعني أن الكلي الطبيعي والفرد موجودان بوجود واحد ، فترد على الهيولى بنحو الاتصال التدريجي أفراد الصور لامتناع حلول الصورة في الهيولى المجردة عن الصور كما برهن في الفصل الخامس عشر من النمط الأول من إشارات الشيخ الرئيس وشرح المحقق الطوسي عليه . ( ح . ح )
[ 8 ] قد تقدمت إشارتنا إلى أن إثبات الموضوع للحركة الجوهرية على هذا النحو الذي يقول به المشاء في الكون والفساد والحركة الكمية ونحوهما ببقاء الهيولى بصورة مّا ممّا لا يرتضي به المشاء ، ولكنه معارضة بمثل ما قالوا من بقاء الهيولى بصورة مّا .
ثم الحق في الكون والفساد ما قاله صاحب الأسفار من أنهما مما يقع تدريجا وإلا فيلزم خلوّ الهيولى عن الصورة فإنّ الماء إذا صار هواء لم يجز حصول الهوائية ما دام كونه ماء ولا في آن هو آخر زمان المائية بل في آن غير ذلك الآن فيلزم إما تتالي الآنين وهو محال ، وإما تعرّي المادة عنهما جميعا وهو الذي ادعيناه - إلى آخر ما أفاد . ( أسفار - ج 1 - من الرحلي - ص 246 ) . ( ح . ح )
[ 9 ] عند قولنا : « لا غرو فالكلي إلى آخره » وهذا الجواب إرخاء للعنان ، بأن يكون المراد من صورة ما هو المفهوم العام من حيث التحقق . وأمّا إذا أريد بها الصورة الدهرية فلا يتوجّه السؤال .
[ 10 ] ناظر إلى ما قاله المحقق الطوسي في شرحه على آخر الفصل العشرين من النمط الأول من الإشارات :
« ولمّا لم تكن الصورة من حيث هي صورة مّا واحدة بالعدد فلم يمكن أن تكون من حيث هي كذلك علة للهيولي الواحدة بالعدد بانفرادها فإن المعلول الواحد بالعدد يحتاج إلى علة واحدة