الموجود كما أخذنا عن الفلك بالرصد والحس صورته المعقولة وقد يكون الصورة المعقولة غير مأخوذة عن الموجود بل بالعكس « 28 » كما أنا نعقل صورة بنائية نخترعها ثم يكون تلك الصورة محركة لأعضائنا إلى أن نوجدها فلا تكون وجدت فعقلناها ولكن عقلناها فوجدت ونسبة الكل إلى عقل الأول الواجب الوجود هذا فإنه يعقل ذاته « 29 » وما يوجبه ذاته ويعلم من ذاته كيفية كون الخير في الكل فيتبع صورته المعقولة صور الموجودات على النظام المعقول عنده لا على أنها تابعة « 30 » اتباع الضوء للمضيء
شرح
- زيادة متصلة في علم الباري تعالى إلى غيره إلى المعلم الثاني والشيخ الرئيس يأباه التحقيق ، وقد تحقق بعض الحقائق في ذلك في شرحنا على فصوص الفارابي « نصوص الحكم على فصوص الحكم » سيما في رسالتنا في العلم . والارتسام والتمثل يستعملان في كلمات الشيخ كثيرا على تقرر الصورة العلمية وثبوتها للعالم بها بحيث لا تمايز الذات . ( ح . ح )
( 28 ) . فالأوّل العلم الانفعالي الّذي بعد المعلوم ، والثّاني العلم الفعليّ العليّ الّذي قبل المعلوم ويجب إثبات ما هو أشرف الطّرفين لواجب الوجود تعالى . وأمّا إثباتهم الصّور وعدم إثبات العلم الحضوريّ له في علمه بالغير فلأنّ الموجودات ظلمانيّة لاحقة متكثّرة الوجود متغيّرة الذّوات الطّبيعيّة وهو نور وعلمه نور . والتّحقيق عندنا انّ حيثيّة الوجود أيّ وجود كان حيثيّة النّور وهو بما هو علم سابق عليه بما هو معلوم وكذلك بما هو متعلّق بالواجب تعالى واحد بالوحدة الحقّة وثابت غير داثر بما هو وجهه .
( 29 ) . قال الشيخ : نفس تعلقه لذاته نفس وجود هذه الأشياء عنه ، ونفس وجود هذه الأشياء نفس معقوليتها له على أنها عنه . وقوله : « ويعلم من ذاته . . . » فإنه يعقل نظام الخير الذي يجب أن يكون عنه في كل ما يكون فيتبع معقوله وجود ذلك النظام . فقوله : « صورته المعقولة » منصوب مفعول لفعل يتبع مقدم ، وقوله : « صور الموجودات » مرفوع فاعل للفعل مؤخر . ( ح . ح )
( 30 ) . وقال أيضا : ان علمه تعالي بتلك الصور عين فيضانها عنه لا انه تابع لفيضانها . وقال في التعليقات : « الأول تعالي يعرف كل شيء من ذاته لا علي أن يكون الموجودات علة لعلمه بل علمه علة لها ، مثل أن يكون النبّاء يبدع في الذهن صورة بيت فيبنيه على ما هو في الذهن فلو لا تلك الصورة المصورة من البيت في الذهن لم يكن للبيت وجود فلم يكن صورة البيت علة لعلم البنّاء بل الأمر بالعكس ، وما كان بخلاف ذلك فإنه كالسماء التي هي علة علمنا بها فإذن وجودها علة -