شرح
- فإن قلت فأين معنى المثل ؟ قلت : الحق معك ، ولعلّ صاحب الأفق المبين قد ارتضى واكتفى في وجه تسميتها بالمثل بكونها متمثلة بين يديه سبحانه وتعالى ، ومثولها عنده .
وقوله : « وتمثل في العالم العقلي » . أي في القضاء العلمي . وقوله : « فكذلك يصح أن يعنى به وجود في الأعيان » أي في القضاء العيني . وقوله : يمتنع اللا نهاية بالفعل في القدر » اللا نهاية تمتنع في القدر أي في الحوادث والكائنات بالأدلة الدالة على تناهي الأبعاد على زعمه . وقوله : « يوجد في وعاء الدهر » أي الدهر على اصطلاحه ، وهو وان كان نسبة الثابت إلى المتغير ولكن الثابت والمتغير كليهما في عالم القضاء العيني على زعمه . وقوله : « وأن الماديات ليست في القضاء . . . » خبر ليست قوله الآتي : « متأخرة عن حصول موادّها ، ووجه عدم تأخرها من موادّها قد علّمناك آنفا . وقوله :
« انما هي مادية في القدر » أي في القدر الخارجي الذي بمعنى الكائنات .
وخلاصة مراد المير من التأويل أن المثل إشارة إلى هذه الصور الهيولانية في هذا العالم باعتبار حضورها وظهورها عند المبدء الأول ومثولها بين يديه وعدم خفائها وغيبوبتها بذواتها عن علمه إذ هي بهذا الاعتبار كأنها مجردة من المواد والأزمنة والهيئات الحسيّة والغشاوات المادية لعدم كونها حجابا عن شهودها ووجودها لدى الباري فهي بذواتها معقولة له تعالى كسائر الكليات والمجردات متمثلة بين يديه .
وبعبارة أخرى في بيان مراده من تأويل المثل : أن جميع الماديات والزمانيات وإن كانت في أنفسها وبقياس بعضها إلى بعض مفتقرة إلى الأمكنة والأزمنة والأوضاع الموجبة لحجاب بعضها عن بعض لكنها بالقياس إلى إحاطة علم اللّه إليها علما اشراقيا شهوديا وانكشافا تامّا وجوديا في درجة واحدة من الشهود والوجود لا سبق لبعضها على بعض من هذه الحيثية فلا تجدد ولا زوال ولا حدوث لها في حضورها لدى الحق الأول ، فلا افتقار لها في هذا الشهود إلى استعدادات هيولانية وأوضاع جسمانية فحكمها من هذه الجهة حكم المجردات عن الأمكنة والأزمنة فالأقدمون من الحكماء ما راموا بالمثل المفارقة إلا هذا المعنى دون غيره .
هذا ما أردنا من بيان تأويل الميرداماد المثل الإلهية بما دريت . وان شئت فراجع إلى الأفق المبين وإلى القبسات ( ص 106 - إلى ص 111 - ط 1 من الحجري ) قوله : « وميض هل بلغك ما ينسب إلى امام الحكمة أفلاطن . . . » ، وإلى الموضع المعهود من الاسفار . وليعذرني اخواني في إطالة التعليقة لكون عبارة صاحب الأفق المبين أوجبها . ( ح . ح )