لو تفطن الجمهور به لم يسلوا عن إغماد أوهامهم سيوف الاعتراضات عليهم منها أنه يلزم من هذه القاعدة التفويض إذ من جزئياته أن الواحد الحقيقي أوجد العقل فحسب وفوض على زعمهم أمر الإيجاد إليه . ولكن إن هذا إلا إفك افتروه عليهم بل مغزى مرادهم ليس إلا ما أشار تعالى إليه بقوله
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
« 7 » وذلك الأمر هو الوجود المنبسط « 8 » الذي لا تتكثر إلا بتكثر الموضوعات . ومعلوم أنه كلمة محتوية على كل الكلمات وصدوره صدور كل الوجودات . ولو كان المراد العقل فالعقل أيضا مشتمل على كل العقول « 9 » بل كل الفعليات . ولذا قالوا في التحقيق لا مؤثر في الوجود إلا الله . ولكن في مقام بيان صدور الوجودات عنه بالترتيب والنظام لم يهملوا اعتبار السنخية وبينوا أن أول صادر من الواحد بالوحدة الحقة الحقيقية لا بد أن يكون واحدا بالوحدة الحقة ولكن ظلية لا الواحد بالوحدة العددية المحدودة .
فاتحد المعلول حيث اتحدت العلة كذاك في وحدته أي وحدة المعلول قد تبعت العلة فكانت واحدة . فلا يجوز توارد علتين « 10 » مستقلتين لمعلول واحد شخصي
شرح
- المحض ، بخلاف ما إذا لم يجزاذ ما لم يصدر ، لم يصل النوبة إلى الجسم والجسماني ، إذ شيء منهما لا يخلو عن كثرة ، كما يأتي في موضعه ، ان شاء اللّه تعالى .
( 7 ) . القمر 54 / 50 .
( 8 ) . قد تقدم استيفاء البحث عن الصادر الأول والعقل الأول في « نثر الدراري على نظم اللئالي » ( ج 1 - ص 198 - 200 ) . ( ح . ح )
( 9 ) . مع انّه يد اللّه وعين اللّه وقدرة اللّه ومشيّة اللّه ، وبالجملة ، من صقعه . فكل ما يصدر عنه ، يصدر عن اللّه ، « ولا حول ولا قوّة الّا باللّه العلي العظيم » ، بلا تفويض ولا غلوّ ولا تعطيل . وهذا سبيل القصد .
( 10 ) . راجع في ذلك إلى الفصل الرابع عشر من المرحلة السادسة من الاسفار ( ج 1 - ط 1 - ص 162 . ( ح . ح ) ج 2 ، ص 210 ، ط 3 ( م . ط )
لو كان كل واحدة من العلّتين بخصوصها علة مستقلة لمعلول واحد بخصوصه كما هو المفروض لزم احتياجه إلى كل واحدة منهما لكونهما علّتين له ، واستغنائه عن كل واحدة منهما لكون الأخرى -