شرح
- وهل الأنبياء إلا رجال يهدون بأمر اللّه المجتمع البشري إلى الحياة الفضلي والسعادة الحقيقيّة ؟ وهل السعادة البشرية الحقيقيّة إلا أن ينال الانسان حقائق المعارف بما منحه اللّه من جهاز دقيق لفهمها وادراكها ، جهاز مرتبط بأصل خلقة الانسان وهو جزء من وجوده ؛ وأن يسير - بعد نيله تلكم المعارف - في حياته العملية ، على طريق العدل والاستقامة ؟ وهل له مناص في تحصيل تلك المعارف عن الالتجاء إلى تلك المعارف عن الالتجاء إلى الاستدلال وإقامة البرهان ؟ .
وإذا كان الحال على ما تقدم ، فكيف يسوغ للأنبياء أن يدعوا الناس إلى السمع والقبول بلابيّنة ، وأن يطلبوا منهم السير على غير طريق الاستدلال ، وإقامة البرهان ، مع أن ذلك مخالف لجبلتهم ومناف لما جهزوا به في أصل خلقتهم ، وبنية وجودهم .
والأنبياء - وان كانوا قد استمدّوا معارفهم ، ومبادئ دعوتهم من المبدء الغيبي ، وارتضعوا ذلك من ثدي الوحي ، إلّا أن الحقيقة هي : أنه لا فرق بين مسلك الأنبياء في دعوتهم إلى صريح الحق ، وبين الحق ، سلوك الانسان بشعوره الفطري إلى نيل المعارف الإلهية ، حيث إنهم على رفعة مكانتهم واشرافهم على الأفق الأعلى ، قد تنزلوا إلى مستوي الأفهام البشرية ، فكلموا الناس بما يهديهم إلى استعمال الفطرة الانسانية العامّة ، وقد روي عن النبي - صلى اللّه عليه وآله وسلم - أنه قال : انا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم . وحاشا ساحة الأنبياء عليهم السلام أن يحملوا الناس على أن يخبطوا خبط عشواء ، وأن يسوقهم سوق البهيمة العمياء » إلى آخر ما أفاد في ذلك - رضوان اللّه تعالى عليه .
وأما ما قلنا من أن الغزالي غيّر الاصطلاحات ، وصرّح به في عدة مواضع كتابه محكّ النظر ، فقال في موضع منه ما هذا لفظه : « . . . فإن عليك وظيفتين : إحداهما تأمل هذه الأمور الدقيقة ؛ والأخرى الأنس بهذه الالفاظ الغريبة فإنّي اخترعت أكثرها من تلقاء نفسي لأن الاصطلاحات في هذا الفن ثلاثة : اصطلاح المتكلمين والفقهاء والمنطقيين ، ولا أوثر أن اتبع واحدا منهم فيقصر فهمك عليه ولا تفهم اصطلاح الفريقين الآخرين ، ولكن استعملت من الألفاظ ما رأيته كالمتداول بين جميعهم ، واخترعت الفاظا لم يشتركوا في استعمالها حتى إذا فهمت المعاني بهذه الألفاظ فما تصادفه في سائر الكتب يمكنك أن تردّه إليها وتطّلع على مرادهم منها - إلى قوله : بل تكون في القياس مقدمتان ، والمقدمة الأولى تشتمل على قضيتين ، والمقدمة الثانية تشتمل على ذكر واحد من تينك القضيتين أو نقيضها ولنسمّ هذا النمط نمط التلازم ؛ ومثاله قولنا : إن كان العالم حادثا فله محدث ومعلوم انه محدث فتلزم منه نتيجة وهو أن له محدثا بالضرورة - إلى أن قال : -