قولنا تلازم - إلى آخره - بدل تفصيلي من ضمير به وإشارة إلى اصطلاح بعض حكماء الإسلام « 35 » في تأويل كلام الله وتفسيره فعبر عن الاستثنائي الاتصالي والانفصالي
شرح
( 35 ) . قوله : « وإشارة إلى اصطلاح بعض حكماء الاسلام . . . » يعنى بذلك البعض ابا حامد محمدا الغزّالي صرّح في عدة مواضع من كتابه محكّ النظر في المنطق بأنه غيّر الاصطلاحات المتداولة بين المنطقيين من تلقاء نفسه . والظاهران غرضه من ذلك التغيير التصالح والتسالم بين المنطقيين وبين المتقشفيّن القائلين بأن من تمنطق تزندق . ومثل الغزالي في تغيير الاصطلاحات ، الشيخ العارف السهروردي صاحب حكمة الاشراق فان له يدا طولى واهتماما شديدا في ذلك كما يدلك على ذلك مؤلفاته سيّما كتابه المذكور .
اعلم أن المتقشفين تفّوهوا من فطانتهم البتراء في بدء الأمر بتحريم المنطق والكلام جدّا ففعلوا ما فعلوا كما يخبرك بذلك كتب التواريخ وصحف وقائع الأيام . ثم لمّا رأوا مع كثرة تشاغبهم وتعاندهم في ذلك أن المنطق والكلام قد احرزا منزلتهما في قلوب العقلاء من أهل الدين ، تمسّكوا بتحريم الفلسفة فسلكوا في ذلك طريقتهم العمياء التي سلكوها أولا فمرقوا من الفطرة الانسانية التي جبلت على نيل المعارف الحقة الإلهية بمنطق البرهان . ثم لمّا رأوا أنّ أولى الألباب لم يعتنوا باراجيفهم الواهية مالوا إلى منع الحكمة الاشراقية دون المشائية . ثم لمّا رأوا أن أصول المعارف الفلسفة الإلهية مطلقا وعروقها قد رسخت وتنشبّت في أعماق أرباب القلوب خبطوا خبط عشواء وضلّوا واضلّوا فشنّعوا العرفان اشدّ تشنيع ، ولا ضير في ذلك فان ذلك مبلغهم من العلم ومطمح نظرهم من بصيرتهم الحولاء وعينهم العوراء ومن لم يجعل اللّه له نورا فماله من نور . ولم يعلم هؤلاء المساكين ان المنطق الإلهي والوحي الربوبي عرفان محض وبرهان صدق ، ولم يفهموا ان القرآن والبرهان والعرفان لن يفترق أحدها عن الآخرين قط ، ولم يدركوا ان التفرقة بين الدين الإلهي وبين الفلسفة الإلهية لظلم عظيم جدّا . ومن كلمات صدر المتألهين السامية ما جرى على قلمه الشريف في أول الفصل الثاني من الباب السادس من نفس الأسفار حيث قال : « حاشى الشريعة الحقة الإلهية البيضاء أن يكون أحكامها مصادمة للمعارف اليقينية الضروريّة ، وتبّأ لفلسفة يكون قوانينها غير مطابقة للكتاب والسنة » ( ج 4 ط 1 ص 75 ) .
ونعم ما أفاد وأجاد استاذنا العلامة الطباطبائي في وجيزته القيمة « علي والفلسفة الإلهية » بقوله القويم : « حقّا انه لظلم عظيم أن يفرق بين الدين الإلهي وبين الفلسفة الإلهية . فهل الدين على اختلاف الأديان سعة وضيقا إلّا مجموعة معارف اعتقادية الهيّة يعبّر عنها بالأصول ، وأخري فقهية وأخلاقية يعبّر عنها بالفروع ؟ . -