شرح
- ألم تسمع قوله في سورة الحديد :لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ؟أتزعم أيها العاقل أن الميزان المنزل من عند اللّه مع انزال الكتاب المقرون اسمه باسم الكتاب هو ميزان البر والشعير والأرز والأقط وغيرها ؟ . أتتوهم أن الميزان القابل وضعه لرفع السماء هو القبان والطيار وأمثالهما ؟ ما أبعد هذا الحسبان وما أسخف هذا البهتان ، واتق اللّه يا أخي ولا تتعسف في هذا التأويل واترك الجهالة واللجاج إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين .
واعلم أن هذا الميزان برهان معرفة اللّه وصفاته وافعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكه وملكوته ليعلم كيفية الوزن به تعليما من قبيل أنبيائه عليهم السلام كما تعلم الأنبياء من ملائكته ؛ فاللّه هو المعلم الأول ، والمعلم الثاني جبرئيل ، وثالث المعلّمين هو الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - وأول من استعمل الميزان بتعليم اللّه وتعليم جبرئيل هو أب الأنبياء وشيخهم إبراهيم الخليل ، ثم سائر الأنبياء عليهم السلام ، إلى ابنه المقدس محمد - صلى اللّه عليه وآله - وقد شهد اللّه لهم بالصدق .
واعلم أن الموازين في القرآن ثلاثة : ميزان التعادل ، وميزان التلازم ، وميزان التعاند . لكن ميزان التعادل ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأكبر والأوسط والأصغر فيصير الجميع خمسة :
الأول الميزان الأكبر من موازين التعادل ، وهو ميزان الخليل عليه السلام قد استعمله مع نمرود ، وهو كما حكى اللّه تعالى بقوله : قالرَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ- إلى قوله :فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ .وقد اثني اللّه عليه - عليه السلام - في استعماله لهذا الميزان قال : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ، على قومه نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم ، فان في حجته الثانية التي بها صار نمرود مبهوتا لأنه أدركها ولم يبلغ دركه إلى الحجة الأولى أصلين إذ مدار القرآن على الحذف والايجاز . وكمال صورة هذا الميزان أن يقال : كل من قدر على اطلاع الشمس من المشرق هو الإله ، هذا أحد الأصلين ؛ وإلهي هو القادر على اطلاعها منه ، الأصل الآخر ؛ فيلزم من مجموعهما أن إلهي هو الإله دونك يا نمرود .
الأصل الأول مقدّمة ضرورية متفق عليها ؛ والثاني من المشاهدات ويلزم منهما النتيجة . وكل حجة صورتها هذه الصورة وصحّ فيه أصلان كان حكمهما في لزوم النتيجة المناسبة هذا الحكم إذ لا دخل لخصوص المثال . فإذا جردنا روح الميزانية عن خصوصية المثال يستعملها في أيّ موضع أردنا وننتفع بها كما يأخذ الناس معيارا صحيحا وصنجة معروفة فيزنون الذهب والفضة وغيرهما بتلك الصنجة المعروفة .
الثاني الميزان الأوسط فهو أيضا واضعه اللّه ، ومستعمله الأول الخليل عليه السلام حيث قال : -