استهلال « 7 » كقولنا لفكرنا بدائعا قد أنتجا « 8 » وغيره . وفي جمع البدائع والبيان إيهام التناسب « 9 » وعقلنا بنوره قد أججا « 10 » أي صيره ممسوسا بنور علمه « 11 » الذي بإلهامه
و
شرح
( 7 ) . قوله : « وبالجملة فيه براعة استهلال » أي في البيت المذكور براعة استهلال ، كما أن في قولنا : « لفكرنا بدائعا قد أنتجا » أيضا براعة استهلال . وقوله : « غيره » معطوف على « قولنا » أي كغير قولنا هذا من أقوالنا الأخرى في الأبيات الآتية . أو أن « غيره » عطف على براعة استهلال أي وبالجملة فيه وفي غيره براعة استهلال . من برع الرجل إذ افاق أقرانه وأصحابه في العلم أو غيره . وفي الصحاح استهلّ الصبيّ إذا صاح عند الولادة . وبراعة الاستهلال في علم البديع هو أن يبتدء الكتاب بألفاظ وعبارات تناسب مقصود الكتاب . كما أن كثيرا من ألفاظ ديباجة اللئالي المنظومة كان مناسبا للمقصود .
( 8 ) . قوله : « لفكرنا بدايعا قد أنتجا » انتج من باب الإفعال ، والألف للإطلاق ، وبدايعا مفعول قدم على عامله ، وتنوينه للضرورة فإنه غير منصرف . أسند الإنتاج إليه سبحانه إشارة إلى ما ذهب اليه الكمّل من أهل التوحيد ، من أنه لا مؤثر في الوجود إلا اللّه وما سواه معدّات بإذنه قال تعالى شأنه في الواقعة :أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ . . .أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ .فالصور العلمية وهي نتائج الأقيسة أنما تفيض منه سبحانه على النفوس الناطقة المستعدّة بإعداد التعليم والتفكير ونحوهما . وسيصرّح بذلك في البحث عن القياس حيث يقول :والحق أن فاض من القدسي الصور * وإنما إعداده من الفكر( 9 ) . قوله : « وفي جمع البدايع والبيان ايهام التناسب » وذلك لأن بين معني البدايع والبيان ليس تناسبا هيهنا كما هو ظاهر ، إلّا أن الجمع بين لفظيهما يوهم التناسب بأنّما من فنون الأدب أي من فنّي البيان والبديع . قال في بديع المطول : ايهام التناسب هو أن يجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان وإن لم يكونا مقصودين هيهنا نحو« الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ »النجم النبات الذي ينجم أي يظهر من الأرض ولا ساق له كالبقول ، والشجر الذي له ساق ، يسجدان أي ينقادان للّه تعالى في ما خلقاله ؛ فالنجم بهذا المعنى وان لم يكن مناسبا للشمس والقمر لكنه قد يكون بمعنى الكوكب وهو مناسب لهما . ( ص 333 ط عبد الرحيم ) .
( 10 ) . قوله : « وعقلنا بنوره قد أجّجا » . عقلنا منصوب مقدم على عامله وهو أجّج من التأجيج في صحاح الجوهري : الأجيج تلهّب النار وأجّجتها فتأجّجت . وفي معيار اللّغة : أجّت النار تلهّبت ، وأجّجتها تأجيجا للتعدّية فتأجّجت . وفي كنز اللغة : تأجيج آتش برافروختن .
( 11 ) . قوله : أي صيّره ممسوسا بنور علمه الخ . المس ليس بمعناه الظاهري الجسماني بل هو بمعناه الباطني الروحاني الرحماني نحو قوله سبحانه في الواقعة :« إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا-