تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المنظومة — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
شرح
- اعلم أن الانسان لما كان مدنيا بالطبع لا يمكن تعيّشه إلّا بمشاركة من أبناء نوعه واعلامهم على ما في ضميره من المقاصد والمصالح ، ولم يكن ما يتوصل به إلى ذلك أخف من أن يكون فعلا ، ولم يكن أخف من أن يكون صوتا لعدم ثباته وازدحامه ، قاده الالهام الإلهي إلى استعمال الصوت وتقطيع الحروف بآلات معدّة له ، ليدل غيره على ما عنده من المدركات بحسب تركيباتها على وجوه مختلفة وانحاء شتى ؛ ولأن الانتفاع بهذا الطريق مختصّ بالحاضرين ، وقد مسّ حاجة أخرى إلى اطّلاع الغائبين والموجودين في الأزمنة الآتية على الأمور المعلومة لينتفعوا بها ، ولينضمّ إليها ما يقتضيه ضمائرهم فتكمل المصلحة والحكمة إذا كثر العلوم والصناعات أنما كملت بتلاحق الأفكار ، لا جرم أدىّ تلك الحاجة إلى ضرب آخر من الاعلام ، فوضعت اشكال الكتابة أيضا لأجل الدلالة على ما في النفس إلّا انها وسطت الالفاظ بينها وبين ما في النفس وإن أمكن دلالتها عليه بلا توسط الألفاظ كما لو جعل للجوهر كتابة ، وللعرض كتابة أخرى ، لكن لو جعل كذلك لكان الانسان ممنوّا بان يحفظ الدلائل على ما في للنفس الفاظا ويحفظها نقوشا ، وفي ذلك مشقة عظيمة ، فقصد إلى الحروف ووضع لها اشكال وركبّت تركيب الحروف ليدلّ على الالفاظ فصارت الكتابة دالة على العبارة ، وهي على الصور الذهنية ، وهي على الأمور الخارجية ، لكن دلالتها على ما في الخارج دلالة طبيعية لا يختلف لا الدّال ولا المدلول ، بخلاف الدلالتين الباقيتين فإنهما لما كانتا بحسب التواطؤ والوضع تختلفان بحسب اختلاف الأوضاع ، أما في دلالة العبارة فالدّال يختلف دون المدلول ، وأما في دلالة الكتابة فكلاهما يختلفان ، فيكون بين الكتابة والعبارة وبين العبارة والصورة الذهنية علاقة غير طبيعية إلّا ان علاقة العبارة بالصورة الذهنية - ومن عادة القوم أن يسموها معاني - أحكمها واتقنها كثرة الاحتياج إليها ، وتوقّف الإفادة والاستفادة عليها ، حتى أن تعقّل المعاني قلّما ينفك عن تخيّل الالفاظ ، وكأن المفكّر يناجي نفسه بألفاظ متخيلة ، فلأجل هذه العلاقة القوية صار البحث الكلي عن الألفاظ غير مختصّ بلغة دون لغة من مقدمات الشروع في المنطق والّا فالمنطقى من حيث إنه منطقي لا شغل له بها فإنه يبحث عن القول الشارح والحجة وكيفية ترتيبها وهو لا يتوقف عليها بل لو أمكن تعلّمها بفكرة ساذجة لا يلاحظ فيها إلا المعاني كان ذلك كافيا . ( شرح المطالع في المنطق ص 26 ط عبد الرحيم ) . ما نقلناه عن شرح المطالع فهو في الحقيقة تحرير ما افاده الشيخ في الفصل الأول من خامسة نفس الشفاء ( ص 346 ج 1 ط 1 من الحجري ) ، وما افاده في الإشارات وما أفاده المحقق الطوسي في الشرح كما في الكتاب .