وإلا فما الذي يقول هو في نحو :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
[ آل عمران : 144 ] ؟ فإنّ « ما » للنفي و « إلّا » للحصر قطعا ، وليست صفته عليه الصلاة والسّلام منحصرة في الرسالة ، ولكن لمّا استعظموا موته جعلوا كأنهم أثبتوا له البقاء الدائم ، فجاء الحصر باعتبار ذلك ، ويسمّى قصر إفراد .
شرح
الإشراك مكان صفة هي التوحيد ، فقلب اعتقاده بإثبات التوحيد ونفي الإشراك ، ثم ما اعتقد أبو حيان بطلانه لازم له ، سواء كانت إنما المفتوحة للحصر أو لا ؛ لأن إلزامه إنما جاء من جهة إنما المكسورة ، ولو قيل إنما يوحى إلي وحدانية اللّه لزم به ذلك ، وقد وقع في كلام المصنف النفي بلا بعد الحصر الواقع بما وإلا ، وقد نص صاحب « المفتاح » وغيره على امتناعه ، لكن وقع في « الكشاف » مثل هذا التركيب في قوله تعالى :زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ[ آل عمران : 14 ] وقال : إن المزين لهم ما هو إلا شهوات لا غير ، واعتذر عنه بعضهم بأن لا من قوله لا غير ليست للعطف ، بل هي لمجرد النفي ، وقوله : لا غير صفة لشهوات ، أي : ما هو إلا شهوات موصوفة بأنها ليست غير الشهوات ، أي : موصوفة بأنها شهوات صرفة ، قال الطيبي : وهذا القدر وإن صح في هذا المقام ، فكيف يصح في قوله في سورة النساء ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا إحسانا لا إساءة ؛ إذ لا يجوز فيه إلا العطف ؛ لأن اسم لا المفرد لا يكون منصوبا أبدا بل إذا كان مضافا أو مشبها به ، قال : والحق جوازه على تأكيد ما هو منفي قبلها ، هذا كلامه ، ولعلنا نتكلم إن شاء اللّه في ذلك عند الكلام على لا .
( وإلا ) يفهم أبو حيان الكلام الواقع في تلك الآية على أنه من قبيل قصر القلب ، ويفرض دعوى الحصر لبطلانها عنده ، ( فما الذي يقول هو في ) نحو : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ[ آل عمران :
144 ] فإن ما ) الكائنة ( للنفي وإلا ) الكائنة للإيجاب مفيدان ( للحصر قطعا ) ، وقد علمت بما قدرناه اندفاع سؤال يرد على المصنف ، وذلك أن ظاهر كلامه كون ما اسما لأن ، وللنفي خبرا لها وإلا معطوف على الاسم ، وللحصر معطوف على الخبر أو هما مبتدأ وخبر ، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة ، وكلاهما مشكل فإن الحصر هو إثبات أمر لمذكور ونفيه عن غيره بطريق مخصوص ، وإلا ليست بمفردها للحصر بهذا الاعتبار ، وإنما الذي للحصر هنا مجموع ما وإلا وبالطريق الذي سلكناها في تقرير كلامه يندفع ذلك السؤال .
( وليست صفته صلّى اللّه عليه وسلّم منحصرة في الرسالة ، ولكن لما استعظموا موته عليه الصلاة والسّلام جعلوا كأنهم أثبتوا له البقاء الدائم ) مع وصف الرسالة ، ( فجاء الحصر باعتبار ذلك ، ويسمى ذلك قصر إفراد ) ، وقد صرح صاحب « المفتاح » بما ذكره المصنف من أن هذا قصر إفراد إخراجا للكلام لا على مقتضى الظاهر ، بتنزيل استعظامهم هلاكه منزلة استبعادهم إياه ، وإنكارهم له حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والتبري عن الهلاك ، فقصر على