تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين الحياة — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
وبالحياة موتا . فدلّته في حفرة ضيقة شديدة الوحشة ، وحيدا فريدا غريبا ، قد فارق الأحبّة وفارقوه ، خذله اخوانه فلم يجد عندهم دفعا ، وصار عزّه وملكه وأهله وماله نهبة من بعده ، كأن لم يكن في الدنيا ، ولم يذكر فيها ساعة قطّ ، ولم يكن له فيها خطر ، ولم يملك من الأرض حظّا قطّ ، فلا تتّخذ فيها يا ابن الملك دارا ، ولا تتّخذن فيها عقدة ولا عقارا ، فافّ لها وتف . قال ابن الملك : افّ لها ولمن يغترّ بها إذ كان هذا حالها ، ورقّ ابن الملك وقال : زدني أيّها الحكيم من حديثك فانّه شفاء لما في صدري . قال الحكيم : انّ العمر قصير ، والليل والنهار يسرعان فيه ، والارتحال من الدنيا حثيث قريب ، وانّه وان طال العمر فيها فإنّ الموت نازل ، والظاعن لا محالة راحل ، فيصير ما جمع فيها مفرّقا ، وما عمل فيها متبرّا ، وما شيّد فيها خرابا . ويصير اسمه مجهولا ، وذكره منسيّا ، وحسبه خاملا ، وجسده باليا ، وشرفه وضيعا ، ونعمته وبالا ، وكسبه خسارا ، ويورث سلطانه ، ويستذلّ عقبه ، ويستباح حريمه ، وتنقض عهوده ، وتخفر ذمّته ، وتدرس آثاره ، ويوزّع ماله ، ويطوى رحله ، ويفرح عدوّه ، ويبيد ملكه ، ويورث تاجه ، ويخلف على سريره ، ويخرج من مساكنه مسلوبا مخذولا ، فيذهب به إلى قبره فيدلى في حفرته في وحدة وغربة وظلمة ووحشة ومسكنة وذلّة ، قد فارق الأحبّة ، وأسلمته العصبة ، فلا تؤنس وحشته أبدا ، ولا تردّ غربته أبدا . واعلم أنّها يحقّ على المرء اللّبيب من سياسة نفسه خاصة كسياسة الإمام العادل الحازم الذي يؤدّب العامّة ، ويستصلح الرعية ، ويأمرهم بما يصلحهم ،
عين الحياة — صفحة 505 | العلامة المجلسي