وينهاهم عمّا يفسدهم ، ثمّ يعاقب من عصاه منهم ، ويكرم من أطاعه منهم ، فكذلك للرجل اللبيب أن يؤدّب نفسه في جميع أخلاقها وأهوائها وشهواتها ، وأن تحملها وإن كرهت على لزوم منافعها فيما أحبّت وكرهت ، وعلى اجتناب مضارّها .
وأن يجعل لنفسه عن نفسه ثوابا وعقابا من مكانها من السّرور إذا أحسنت ، ومن مكانها من الغمّ إذا أساءت ، وممّا يحقّ على ذي العقل النظر فيما ورد عليه من أموره ، والأخذ بصوابها ، وينهى نفسه عن خطائها ، وأن يحتقر عمله ونفسه في رأيه لكيلا يدخله عجب ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد مدح أهل العقل ، وذمّ أهل العجب ومن لا عقل له ، وبالعقل يدرك كلّ خير باذن اللّه تبارك وتعالى ، وبالجهل تهلك النفوس .
وانّ من أوثق الثقات عند ذوي الألباب ما أدركته عقولهم ، وبلغته تجاربهم ، ونالته أبصارهم في الترك للأهواء والشهوات ، وليس ذو العقل بجدير أن يرفض ما قوي على حفظه من العمل احتقارا له إذا لم يقدر على ما هو أكثر منه ، وانّما هذا من أسلحة الشيطان الغامضة التي لا يبصرها الّا من تدبّرها ، ولا يسلم منها الّا من عصمه اللّه منها .
ومن أسلحته سلاحان ، أحدهما إنكار العقل أن يوقع في قلب الانسان العاقل أنّه لا عقل له ولا بصر ولا منفعة له في عقله وبصره ، ويريد أن يصدّه عن محبّة العلم وطلبه ، ويزيّن له الاشتغال بغيره من ملاهي الدنيا ، فإن أتبعه الانسان من هذا الوجه فهو ظفره ، وإن عصاه وغلبه فرغ إلى السلاح الآخر ، وهو أن يجعل الانسان إذا عمل شيئا وأبصره عرض له بأشياء لا يبصرها ليغمزه ويضجره بما لا يعلم حتّى يبغّض إليه ما هو فيه بتضعيف عقله عنده ، وبما يأتيه من الشبهة .
عين الحياة — صفحة 506
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٥٠٦