بستانه ذات يوم عصفورا واقعا على شجرة من شجرة البستان يصيب من ثمرها ، فغاضه ذلك فنصب فخّا فصاده ، فلمّا همّ بذبحه أنطقه اللّه عزّ وجلّ بقدرته ، فقال لصاحب البستان : انّك تهتمّ بذبحي وليس فيّ ما يشبعك من جوع ، ولا يقوّيك من ضعف ، فهل لك في خير عمّا هممت به ؟
قال الرجل : ما هو ؟ قال العصفور : تخلّى سبيلي واعلّمك ثلاث كلمات إن أنت حفظتهنّ كنّ خيرا لك من أهل ومال هو لك ، قال : قد فعلت فأخبرني بهنّ .
قال العصفور : احفظ عنّي ما أقول لك : لا تأس على ما فاتك ، ولا تصدّقنّ بما لا يكون ، ولا تطلبنّ ما لا تطيق ، فلمّا قضى الكلمات خلّى سبيله ، فطار فوقع على بعض الأشجار ، ثمّ قال للرجل : لو تعلم ما فاتك منّي لعلمت أنّك قد فاتك منّي عظيم جسيم من الأمر ، فقال الرجل : وما ذاك ؟
قال العصفور : لو كنت قضيت على ما هممت به من ذبحي لاستخرجت من حوصلتي درّة كبيضة الأوزة ، فكان لك في ذلك غنى الدّهر ، فلمّا سمع الرجل منه ذلك أسرّ في نفسه ندما على ما فاته ، وقال : دع عنك ما مضى ، وهلمّ أنطلق بك إلى منزلي فأحسن صحبتك وأكرم مثواك .
فقال له العصفور : أيّها الجاهل ما أراك حفظتني إذا ظفرت بي ، ولا انتفعت بالكلمات التي افتديت بها منك نفسي ، ألم أعهد إليك ألّا تأس على ما فاتك ، ولا تصدّق ما لا يكون ، ولا تطلب ما لا يدرك ؟ أما أنت متفجّع على ما فاتك ، وتلتمس مني رجعتي إليك ، وتطلب ما لا تدرك ، وتصدّق أنّ في حوصلتي درّة كبيضة الأوزة ، وجميعي أصغر من بيضها ، وقد كنت عهدت إليك أن لا تصدّق بما لا يكون .
عين الحياة — صفحة 502
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٥٠٢