تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين الحياة — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
الملك أن تطيعه ولا تعصيه ، وأن تأتي إلى غيرك ما تحبّ أن يؤتى إليك ، وتكفّ عن غيرك ما تحبّ أن يكفّ عنك في مثله ، فإنّ ذلك عدل وفي العدل رضاه ، وفي اتّباع آثار أنبياء اللّه ورسله بأن لا تعدو سنّتهم . قال ابن الملك : زدني أيّها الحكيم تزهيدا في الدنيا وأخبرني بحالها . قال الحكيم : اني لمّا رأيت الدنيا دار تصرّف وزوال وتقلّب من حال إلى حال ، ورأيت أهلها فيها أغراضا للمصائب ، ورهائن للمتالف ، ورأيت صحّة بعدها سقما ، وشبابا بعده هرما ، وغنى بعده فقرا ، وفرحا بعده حزنا ، وعزّا بعده ذلا ، ورخاء بعده شدّة ، وأمنا بعده خوفا ، وحياة بعدها مماة . ورأيت أعمارا قصيرة ، وحتوفا راصدة « 1 » ، وسهاما قاصدة ، وأبدانا ضعيفة مستسلمة ، غير ممتنعة ولا حصينة ، عرفت أنّ الدنيا منقطعة بالية فانية ، وعرفت بما ظهر لي منها ما غاب عنّي منها ، وعرفت بظاهرها باطنها ، وغامضها بواضحها ، وسرّها بعلانيتها ، وصدورها بورودها . فحذرتها لما عرفتها ، وفررت منها لما أبصرتها ، بينا ترى المرء فيها مغتبطا محبورا « 2 » وملكا مسرورا « 3 » في خفض ودعة ونعمة وسعة في بهجة من شبابه ، وحداثة من سنّه ، وغبطة من ملكه ، وبهاء من سلطانه ، وصحّة من بدنه ، إذا انقلبت الدنيا به أسرّ ما كان فيها نفسا ، وأقرّ ما كان فيها عينا ، فأخرجته من ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها ، فأبدلته بالعزّ ذلا ، وبالفرح ترحا ، وبالسرور حزنا ، وبالنعمة بؤسا ، وبالغنى فقرا ، وبالسعة ضيقا ، وبالشباب هرما ، وبالشرف ضعة ،
هامش
( 1 ) الحتف الموت من غير قتل والجمع حتوف . والراصد : المراقب . ( 2 ) أي مسرور والحبر - بفتح الحاء وكسرها - السرور والجمع حبور وأحبار . ( 3 ) في بعض النسخ « مشعوفا » .