رجل من رعيّتي أن يهلك نفسه أخلّي بينه وبين ذلك ، ولكنّي أعدّ اهلاكه لنفسه كاهلاكه لغيره ممن أنا وليّه والحاكم عليه وله ، فأنا أحكم عليك لنفسك وآخذ لها منك إذ ضيّعت أنت ذلك .
فقال له النّاسك : أراك أيها الملك لا تأخذني الّا بحجّة ولا نفاذ لحجّة الّا عند قاض ، وليس عليك من النّاس قاض ، لكن عندك قضاة وأنت لأحكامهم منفذ ، وأنا ببعضهم راض ، ومن بعضهم مشفق .
قال الملك : وما أولئك القضاة ، قال : أمّا الذي أرضى قضاءه فعقلك ، وأمّا الذي أنا مشفق منه فهواك ، قال الملك : قل ما بدا لك وأصدقني خبرك ، ومتى كان هذا رأيك ؟ ومن أغواك ؟
قال : أمّا خبري فانّي كنت سمعت كلمة في حداثة سنّي وقعت في قلبي ، فصارت كالحبّة المزروعة ، ثمّ لم تزل تنمي حتى صارت شجرة إلى ما ترى ، وذلك أنّي كنت قد سمعت قائلا يقول : يحسب الجاهل الأمر الذي هو لا شيء شيئا ، والأمر الذي هو الشيء لا شيء ، ومن لم يرفض الأمر الذي هو لا شيء لم ينل الأمر الذي هو شيء ، ومن لم يبصر الأمر الذي هو الشيء لم تطب نفسه برفض الأمر الذي هو لا شيء ، والشيء هو الآخرة ، ولا شيء هو الدنيا .
فكان لهذه الكلمة عندي قرار لأنّي وجدت الدنيا حياتها موتا ، وغناها فقرا ، وفرحها ترحا ، وصحّتها سقما ، وقوّتها ضعفا ، وعزّها ذلّا ، وكيف لا تكون حياتها موتا ، وانّما يحيى فيها صاحبها ليموت ، وهو من الموت على يقين ، ومن الحياة على قلعة ، وكيف لا يكون غناؤها فقرا وليس أصيب أحد منها شيئا الّا احتاج لذلك الشيء إلى شيء آخر يصلحه ، وإلى أشياء لا بدّ له منها .
عين الحياة — صفحة 463
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٤٦٣