غدوة ، وتعفّر خدّه بالتّراب عشيّة ، وتجعلها في الأغلال غدوة [ تحلّى الأيدي بأسورة الذّهب عشيّة ، وتجعلها في الأغلال غدوة ] وتقعد الرجل على السرير غدوة ، وترمي به في السجن عشيّة ، تفرش له الديباج عشيّة ، وتفرش له التراب غدوة .
وتجمع له الملاهي والمعازف غدوة ، وتجمع عليه النّوائح والنوادب عشيّة ، تحبّب إلى أهله قربه عشيّة ، وتحبّب إليهم بعده غدوة ، تطيب ريحه غدوة وتنتن ريحه عشيّة .
فهو متوقّع لسطواتها ، غير ناج من فتنتها وبلائها ، تمتّع نفسه من أحاديثها ، وعينه من أعاجيبها ، ويده مملؤة من جمعها ، ثمّ تصبح الكفّ صفرا ، والعين هامدة ، ذهب ما ذهب ، وهوى ما هوى ، وباد ما باد ، وهلك ما هلك .
تجد في كلّ من كلّ خلفا ، وترضى بكلّ من كلّ بدلا ، تسكن دار كلّ قرن قرنا ، وتطعم سؤر كلّ قوم قوما ، تقعد الأراذل مكان الأفاضل ، والعجزة مكان الحزمة « 1 » .
تنقل أقواما من الجدب إلى الخصب « 2 » ، ومن الرجلة إلى المركب ، ومن البؤس إلى النعمة ، ومن الشدة إلى الرخاء ، ومن الشقاء إلى الخفض والدعة ، حتى إذا غمستهم في ذلك انقلبت بهم فسلبتهم الخصب ، ونزعت منهم القوّة ، فعادوا إلى أبأس البؤس ، وأفقر الفقر ، وأجدب الجدب .
فأمّا قولك أيّها الملك في إضاعة الأهل وتركهم فانّي لم أضيّعهم ، ولم
هامش
( 1 ) في بعض النسخ « الفجرة مكان البررة » .
( 2 ) الجدب : القحط ، مقابل الخصب .