التمثيل العاشر : قصة بلوهر ويوذاسيف
في ذكر أمثلة تشتمل على توضيح عيوب الدنيا الكثيرة ، ونورد هنا قصة بلوهر ويوذاسف المشتملة على حكم الأنبياء الشريفة ، ومواعظ الحكماء اللطيفة لتضمّنها فوائد جمّة قلّ نظيرها ، ولا أحرم القارئ عنها بسبب طولها .
روى ابن بابويه رحمه اللّه في كتاب اكمال الدين واتمام النعمة بسنده عن محمد بن زكريا انّ ملكا من ملوك الهند كان كثير الجند ، واسع المملكة مهيبا في أنفس الناس ، مظفرا على الأعداء ، وكان مع ذلك عظيم النهمة « 1 » في شهوات الدنيا ولذّاتها وملاهيها ، مؤثرا لهواه ، مطيعا له ، وكان أحبّ الناس إليه وأنصحهم له في نفسه من زيّن له حاله وحسّن رأيه ، وأبغض النّاس إليه وأغشّهم له في نفسه من أمره بغيرها وترك أمره فيها .
وكان قد أصاب الملك فيها في حداثة سنّه وعنفوان شبابه ، وكان له رأي أصيل ، ولسان بليغ ، ومعرفة بتدبير النّاس وضبطهم ، فعرف الناس ذلك منه فانقادوا له ، وخضع له كلّ صعب وذلول ، واجتمع له سكر الشّباب ، وسكر السّلطان ، والشهوة ، والعجب ، ثم قوي ذلك ما أصاب من الظّفر على من ناصبه والقهر لأهل مملكته ، وانقياد الناس له ، فاستطال على الناس واحتقرهم .
ثمّ ازداد عجبا برأيه ونفسه لما مدحه الناس وزيّنوا أمره عنده ، فكان لا همّة له الّا الدنيا وكانت الدنيا له مؤاتية لا يريد منها شيئا الّا ناله ، غير أنّه كان مئناثا « 2 » لا
هامش
( 1 ) النهمة - بفتح النون - بلوغ الهمة والشهوة في الشيء ويقال : « للّه في هذا الأمر نهمة » أي شهوة .
( 2 ) المئناث : التي اعتادت أن تلد الإناث وكذلك الرجل لأنهما يستويان في مفعال . ويقابله المذكار وهي التي تلد الذكور كثيرا .