يولد له ذكر ، وقد كان الدّين فشا في أرضه قبل ملكه وكثر أهله ، فزيّن له الشيطان عداوة الدّين وأهله ، وأضرّ بأهل الدين ، فأقصاهم مخافة على ملكه ، وقرّب أهل الأوثان ، وصنع لهم أصناما من ذهب وفضّة ، وفضّلهم وشرّفهم ، وسجد لأصنامهم .
فلمّا رأى النّاس ذلك منه سارعوا إلى عبادة الأوثان والاستخفاف بأهل الدين ، ثمّ انّ الملك سأل يوما عن رجل من أهل بلاده كانت له منه منزلة حسنة ومكانة رفيعة ، وكان أراد أن يستعين به على بعض أموره ويحبوه ويكرمه ، فقيل له :
أيّها الملك انّه قد خلع الدنيا وخلي منها ولحق بالنّساك ، فثقل ذلك على الملك ، وشقّ عليه .
ثمّ انّه أرسل إليه فأوتي به ، فلمّا نظر إليه في زيّ النسّاك وتخشّعهم زبره وشتمه « 1 » وقال له : بينا أنت من عبيدي وعيون أهل مملكتي ووجههم وأشرافهم إذ فضحت نفسك وضيّعت أهلك ومالك ، واتّبعت أهل البطالة والخسارة حتى صرت ضحكة ومثلا ، وقد كنت أعددتك لمهمّ أموري ، والاستعانة بك على ما ينوبني .
فقال له : أيّها الملك إن لم يكن لي عليك حقّ فلعقلك عليك حقّ ، فاستمع قولي بغير غضب ، ثمّ ائمر بما بدا لك بعد الفهم والتثبيت ، فإنّ الغضب عدوّ العقل ، ولذلك يحول ما بين صاحبه وبين الفهم ، قال له الملك : قل ما بدا لك .
قال الناسك : فاني أسألك أيّها الملك أفي ذنبي على نفسي عتبت عليّ أم في ذنب منّي إليك سالف ؟
قال الملك : انّ ذنبك إلى نفسك أعظم الذنوب عندي ، وليس كلّما أراد
هامش
( 1 ) النساك : العباد . وزبره أي زجره .