الّا منحته من ضرّائها ظهرا ، ولم تظلّه فيها ديمة رخاء الّا هتنت « 1 » عليه مزنة بلاء ، إذا هي أصبحت منتصرة لم تأمن أن تمسي له متنكرة .
وان جانب منها اعذوذب لامرئ واحلولا أمرّ عليه جانب منها فأوبى « 2 » ، وما أمسى امرؤ منها في جناح أمن الّا أصبح في أخوف خوف ، غرّارة غرور ما فيها ، فانية فإن من عليها ، لا خير في شيء من زادها الّا التقوى ، من أقلّ منها استكثر مما يؤمنه ، ومن استكثر منها لم يدم له وزال عمّا قليل عنه .
كم من واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة إليها قد صرعته ، وذي حذر قد خدعته ، وكم ذي ابهّة فيها قد صيّرته حقيرا ، وذي نخوة قد ردّته خائفا فقيرا .
وكم ذي تاج قد اكبته لليدين والفم ، سلطانها ذلّ ، وعيشها رنق « 3 » ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، حيّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ومنيعها بعرض اهتضام ، وملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وأمنها منكوب ، وجارها محروب ، ومن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته ، وهول المطلّع ، والوقوف بين يدي الحاكم العدل ، ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى .
ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا ، وأبين آثارا ، وأعدّ منكم عديدا ، وأكثف منكم جنودا ، وأشدّ منكم عنودا ، تعبّدوا للدنيا أيّ تعبّد ، وآثروها أيّ ايثار ، ثم ظعنوا عنها بالصغار ، أفبهذه تؤثرون ؟ أم على هذه تحرصون ؟ أم إليها تطمئنّون ؟ يقول اللّه :
هامش
( 1 ) هتنت : صبّت .
( 2 ) أوبى : صار كثير الوباء .
( 3 ) رنق - بفتح فكسر - : كدر .