. . . . . . . . . .
شرح
المؤمن على نفسه فعليه الالتزام به والوفاء بشرطه ، من غير أن يقع التوقّف والتردّد في كلّ مورد تعلّق الشرط بأمر مباح في اندراجه تحت دليل الإباحة أو دليل الوفاء بالشروط .
وهذا الذي ذكرناه هو الذي ينبغي أن يفرّق به بين الأمور المباحة وبين الأمور المحرّمة أو الواجبة ، لا بما ذكره المصنّف رحمه اللّه من أنّ أدلّة الإباحة تدلّ على إباحة الشيء لولا الشروط ، وأدلّة الواجبات والمحرّمات تدلّ على وجوبها وحرمتها مطلقا حتّى مع الشرط ، فإنّ الإنصاف عدم الاختلاف في الأدلّة بحسب اختلاف مدلولها من حيث كونه إباحة أو تحريما أو وجوبا ، بل الفارق إنّما هو استفادة وجوب الالتزام بما اشترطه الإنسان من دليل وجوب الوفاء بالشرط ، وقيام القرينة القاطعة على عدم إرادة لزوم ترك الواجب أو فعل الحرام من الدليل المذكور ، فينحصر مفادّه في وجوب الالتزام بالشرط إذا تعلّق بالأمور المباحة ، فيفيد لزومها على المكلّف بالاشتراط ، وكذا يفيد وجوب الالتزام بمقتضى النسب والأحكام التي يتعلّق بها الاشتراط . ولمّا كانت النسب والأحكام التي يتعلّق بها الاشتراط مظنّة للمخالفة للكتاب والسنّة المتكفّلتين لبيانها ، أوجب هذا استثناء ما يخالف الكتاب والسنّة من جملة ما يتعلّق به الالتزام والاشتراط كما في باب الصلح ، فإنّه أيضا صالح لتعلّقه بالنسب والأحكام ، كقول أحد الشريكين لصاحبه : لك ما عندك ولي ما عندي ، أو صالحتك على أن تنقدني رأس مالي ويكون الربح لك والخسران عليك .
وبالجملة ، لا شبهة في اقتضاء دليل الشرط لزوم ما لم يكن لازما بدون الشرط . وما ليس بلازم إمّا أن يكون لازم العدم ، كفعل الحرام وترك الواجب ، وإمّا أن يكون عدمه أيضا كوجوده غير لازم كالمباحات . والأوّل غير مراد قطعا ، لما مرّ غير مرّة من لزوم هدم التكاليف ، فيبقى الثاني فقط ، سواء كان متعلّق الشرط والالتزام هو العمل فعلا أو تركا ، أو كان النسب والأحكام المستتبعة للزوم ما لم يكن لازما وجواز ما لم يكن جائزا لولا الشرط ، كما اشترط أن لا يكون لصاحبه خيار ، وقلنا بصحّة الشرط على هذا الوجه ، وعدم رجوعه إلى شرط عدم الفسخ ، كما هو قضيّة صحيح ابن مالك المتقدّم فيمن كان تحت أبيه جارية مكاتبة ، فاشترط عليها أن يعينها على مال الكتابة ، على أن لا يكون لها الخيار على أبيه إذا ملكت نفسها ، فإنّ مقتضى الشرط بقائها على الزوجيّة ، وبنفوذ هذا الشرط يلزم عليها البقاء ، ويجوز للمشروط له إمساكها مع امتناعها .