تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية المكاسب — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
لرجوع الكلّ إلى امتثال أمر اللّه سبحانه ، بخلاف مقام التكليف بإحقاق حقوق الناس ، فإنّ في التبعيض جمعا بين حقوق الناس ومراعاة للجميع ولو في الجملة ؛ ولعلّ هذا هو السرّ في عدم تخيير الحاكم عند تعارض أسباب حقوق الناس في شيء من موارد الفقه « * » . وقد يستشكل ما ذكرنا : تارة بعدم التعارض بينهما عند التحقيق ؛ لأنّ مرجع بيّنة النفي إلى عدم وصول نظرها وحدسها إلى الزيادة ، فبيّنة الإثبات المدّعية للزيادة سليمة . وأخرى بأنّ الجمع فرع عدم اعتضاد إحدى البيّنتين بمرجّح ، وأصالة البراءة هنا مرجّحة للبيّنة الحاكمة بالأقلّ . وثالثة بأنّ في الجمع مخالفة قطعيّة وإن كان فيه موافقة قطعيّة ، لكنّ التخيير الذي لا يكون فيه إلّا مخالفة احتماليّة أولى منه . ويندفع الأوّل : بأنّ المفروض أنّ بيّنة النفي تشهد بالقطع على نفي الزيادة واقعا ، وأنّ بذل الزائد في مقابل المبيع سفه . ويندفع الثاني بما قرّرناه في الأصول : من أنّ الأصول الظاهريّة لا تصير مرجّحة للأدلّة الاجتهاديّة ، بل تصلح مرجعا في المسألة لو تساقط الدليلان
شرح
على أخذ أحدهما في تمام مضمونه وترك الآخر كذلك فيما هو الداعي إليه ، إذ الداعي إلى كلّ واحد من التبعيض ومقابله إنّما هو مراعاة حقّه تعالى ، بل هما متساويان في ذلك ، فلا يكون أحدهما أولى من الآخر ، بخلاف كون الشخص مكلّفا بإحقاق حقوق الناس وإيصالها إليهم كالقاضي ، فإنّ للتبعيض فيه مزيّة على أخذ أحدهما في التمام وترك الآخر كذلك ، وهو الجمع بين حقوق الناس ، بمعنى مراعاة جميع أطراف الشبهة ولو في الجملة ، بخلاف الأخذ بأحدهما في الكلّ وترك الآخر فيه ، فإنّه لا يراعى فيه إلا أحد أطراف الشبهة . هذا ، وفيه : أنّه وإن كان مكلّفا بإحقاق حقوق الناس لكن بموازينه الشرعيّة المجعولة لفصل الخصومة وإيصال الحقّ إلى صاحبه ، ولا دليل على كون العمل بالبيّنتين كذلك - أي : بطور التبعيض في المضمون - من الموازين لو لم يقل بدلالة النبويّ صلّى اللّه عليه وآله : « البيّنة على المدّعي ، واليمين على من أنكر » على عدمه ، فيكون تشريعا صرفا . وهذا - أي : عدم الدليل - هو السرّ في عدم تخيير الحاكم عند تعارض أسباب حقوق الناس ، والتحقيق ما ذكره من الحكم بالتساقط والمعالجة بعلاج آخر .
هامش
( * ) في بعض النسخ : بدل « موارد الفقه » ، الموارد .