شرح
والإيصال ، فيقال : وفيت الحقّ بذيه ، أي : أعطيته إيّاه وأوصلته إليه ، كما أنّ الاستيفاء أخذ ذي الحقّ حقّه ، ومنه : الوفاء بالكيل والوزن ، بمعنى إعطائه ما يقتضيه من الإتمام والإكمال مقابل البخس والنقص .
ثمّ إنّ الحقّ تارة يكون روحا ، كما في قولك : توفّى فلان ، بمعنى : مات ، أي : ردّ روحه إلى الخالق وأوصله إليه ، ويمكن أن يكون بمعنى : أتمّ أجله المعيّن . وقد يكون دينا ، وهو واضح . وقد يكون فعلا وعملا ، كما في الوعد . وقد يكون امتثالا ، كما في التكاليف . وقد يكون أمرا اعتباريّا وضعيّا ، مثل الملكيّة في العقود المملّكة ونذر النتيجة والزوجيّة ، إلى غير ذلك من الأمور الاعتباريّة . والوفاء وأداء الحقّ إلى ذيه في الأخير إبقاء ذاك الحقّ وعدم إزالته عن ذيه ، كما أنّه في سابقه عبارة عن إيجاد ذاك العمل .
وذو الحقّ أيضا قد يكون من أفراد الإنسان ، وهو واضح . وقد يكون من الأفعال والالتزامات ، كما في قوله تعالى :وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُواويُوفُونَ بِالنَّذْرِإلى غير ذلك من الآيات الشريفة . وقد يكون من الأعيان الخارجيّة كالكيل ، كما في قوله تعالى :وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْوفَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَبناء على كون الكيل بمعنى المكيال ، لا مصدرا وإلّا يكون من أمثلة ما قبله كما لا يخفى .
فالعقود في الآية الشريفة هو ذو الحقّ . والمفعول الآخر للوفاء المعبّر عنه بالحقّ محذوف .
والمراد به ما ينبغي للعقود ، وما هي تقتضيه ، وما يتوصّل بإيجادها إلى تحصيله ، أعني : مدلولها المقصود منها ، مثل الملكيّة في البيع والزوجيّة في النكاح . ومعنى وفاء ذاك الحقّ كما ذكرنا هو إبقائه على حاله وعدم إزالته . فيكون معنى وجوبه وجوب إبقائه وعدم حلّه .
ثمّ إنّ اللام في العقود مثلها في ساير صيغ الجمع للاستغراق من حيث الأفراد ، إمّا لأجل الوضع ، أو لظهورها فيه عرفا . ولا ينافيه تفسير العقود بالعقود الخاصّة على اختلاف بينهم في تلك الخصوصيّة ، كما لا يخفى على من راجع كتب التفاسير ، إذ الظاهر أنّه من قبيل تفسير العامّ بالخاصّ ، ومثله في تفسير الآيات الشريفة كثير جدّا ، أو من قبيل التفسير بالباطن . هذا ، مع عدم حجّية بعض التفاسير ، لعدم دليل عليه من الأخبار .
إذا عرفت هذا فنقول : إنّ مقتضى العقد - أي : مدلوله اللفظي المقصود منه - قد يكون شيئا مقيّدا بزمان كما في الإجارة وعقد المتعة ، وقد يكون شيئا مطلقا غير مقيّد بزمان دون