شرح
أصلا ، إذ المراد من تبعيّة العقود للقصد أنّ وقوع مضمون العقد المستعمل فيه لفظ ذاك العقد يتبع ويتوقّف على أن يكون القصد من استعماله فيه وقوعه به قبال قصد شيء آخر ، ومن المعلوم أنّ ناسي ذكر الأجل قد استعمل لفظ « زوّجت » مثلا في معناه الموضوع له ، وقصد منه تحقّق معناه - وهو الزوجيّة به - وكونه سببا لوجوده ، بمعنى أنّ الداعي إلى استعماله فيه هو إيجاده به ، والمفروض أنّ مضمونه - بواسطة ترك التقييد بالأجل - ليس إلّا صرف الزوجيّة الخالية عن قيد الانقطاع والتأجيل ، ولم يحصل بالعقد إلّا هذا المضمون المقصود ، ولم ينقص منه شيء ، وإنّما يكون النقصان فيما إذا ذكر الأجل ووقع المطلق الخالي عنه .
وبالجملة ، لو كان المراد من القصد - في قاعدة تبعيّة العقد للقصد - قصد وقوع مضمون العقد المستعمل فيه لفظه ووجوده ، بمعنى كون الغرض الداعي إلى استعماله فيه تحقّقه به ، فلا تخلّف أصلا لا ذاتا ولا قيدا . نعم ، لو أريد منه القصد والإرادة والشوق المؤكّد ، كي يكون المعنى أنّ وقوع مضمون العقد تابع لإرادة العاقد إيّاه وشوقه إليه ، فيتحقّق التخلف في الغرض قيدا بل وذاتا أيضا ، لكن لا ينبغي الإشكال في أنّ المراد منه هو المعنى الأوّل ، فتأمّل وافهم ، فالقياس مع الفارق ، فتدبّر جيّدا .
وأمّا جوابه الحلّي فيمكن المناقشة فيه بأنّه مبنيّ على التجمّد بظاهر لفظ العقود ، والأخذ بقشره في قاعدة تبعيّة العقود للقصود ، وتوهّم أنّ مراد بعض الأساطين من اللفظ ظاهره ، وليس كذلك ، بل مراده قدّس سرّه أنّ وقوع الأمور القصديّة وتحقّقها في الخارج تابع لقصدها وموقوف عليه ولا يوجد بدون القصد .
فحاصل إيراده قدّس سرّه بذلك على القول بالإباحة مع قصد التمليك : أنّ الإباحة من الأمور القصديّة ، فلا يوجد ولا يتحقّق - بمقتضى الكبرى المذكورة - بدون القصد إليها ، والمفروض في المعاطاة هو القصد إلى التمليك دون الإباحة ، فحصولها حينئذ - كما هو قضيّة القول بها - مع قصد التمليك يوجب حصولها بدون القصد إليها ، فيلزم مخالفة الكبرى المذكورة .
ولا يخفى أنّ الإيراد المذكور مبنيّ على كون المراد من الإباحة عند القائلين بها الإباحة المالكيّة ، لأنّها التي تكون من الأمور القصديّة المتوقّفة على القصد ، بخلاف الإباحة الشرعيّة . وعلى هذا التقريب لا يبقى مساس لمنع كون المعاطاة من العقود الصحيحة بالإيراد ، لأنّ مراده من العقود الأمور القصديّة المعامليّة ، ومن المعلوم أنّ نفي العقديّة عن المعاطاة حينئذ غير مربوط