إلّا أنّ الشارع رخّص في ترك التورية بعد عدم إمكان التفصي بوجه آخر ؛ لما ذكرنا من ظهور النصوص والفتاوى ، وبعد حملها على صورة العجز عن التورية ، مع أنّ العجز عنها لو كان معتبرا لاشير إليها في تلك الأخبار الكثيرة المجوّزة للحلف كاذبا عند الخوف والإكراه ، خصوصا في قضية عمّار وأبويه حيث اكرهوا على الكفر ، فأبى أبواه فقتلا وأظهر لهم عمّار ما أرادوا ، فجاء باكيا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فنزلت الآية :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
18 فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : " إن عادوا عليك فعد " . ولم ينبّهه على التورية ،
شرح
عرفا عبارة عن الحمل على الشيء والإجبار عليه ، وبعد تعيين معناه لو كان شيء في نظر العرف مصداقا له ونحن نعلم بعدم صدق المفهوم عليه لخطّأناهم في فهمهم ، وفهمهم لا يوجب تنزيل الرواية عليه ، لأنّ موضوعها الإكراه ، ونعلم بعدم تحقّقه في المقام .
وهنا وجه رابع للفرق بينهما تعرّض له بقوله : « ولكنّ الأولى أن يفرّق . . . » . وحاصله : أنّ الإكراه موضوعا يتحقّق مع إمكان التفصّي بالتورية ، بخلافه مع إمكانه بغيرها . ومحصّل ما ذكره وجها له : أنّ المدار في تحقّق الإكراه على فعل ووقوعه مكرها عليه علم المكره - بالفتح - أو ظنّه بترتّب الضرر من المكره - بالكسر - فيما إذا لم يفعله لو التفت إليه المكره - بالكسر - واطّلع عليه فضلا عن صورة عدم التفاته إليه ، ضرورة عدم ترتّبه على تركه الواقعي مجرّدا عن التفاته ، بأن اعتقد إيجاده وعدم تركه أو غفل عنه . ومن المعلوم أنّ هذا المعنى موجود مع التورية ، إذ لو علم بأنّه ما أوجد المكره عليه حقيقة بل ورّى وأوجد صورته والتفت إليه لترتّب عليه ضرره حسب ما أوعده ، وهذا بخلاف غير التورية ، فإنّه مع التمكّن منه لا يترتّب على تركه الضرر وإن التفت إليه المكره - بالكسر - فمعه لو أوجده لا يكون مكرها عليه .
وإن شئت قلت : إنّ الإكراه أن يكون إرادة فاعل الفعل مقهورة لإرادة شخص آخر ، بحيث لا يكون مستقلّا في إيجاده . والمكره في موارد التمكّن من التورية مقهور في إرادة واحد من الأمرين : إمّا نفس الفعل الحقيقيّ وإمّا ما يشابهه ، فأيّهما وقع فقد وقع عن إرادة مقهورة لإرادة الغير ، فيكون مثل الإكراه على أحد الأمرين على نحو الترديد ، بأن ألزمه إمّا على بيع داره أو إجارة حماره . وهذا بخلاف موارد القدرة على غير التورية ، فتأمّل .