ولننقل أوّلا كلمات جماعة ممّن ظفرنا على كلماتهم ليظهر منه بعد تنزيل الإباحة على الملك المتزلزل - كما صنعه المحقّق الكركي - وأبعديّة جعل محلّ الكلام في كلمات قدمائنا الأعلام ما لو قصد المتعاطيان مجرّد إباحة التصرّفات دون التمليك « * » ، فنقول وباللّه التوفيق :
قال في الخلاف ( 1289 ) : إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب ، فقال : أعطني بها بقلا أو ماء ، فأعطاه ، فإنه لا يكون بيعا - وكذلك سائر المحقّرات - وإنّما يكون الإباحة له ، فيتصرّف كلّ منهما فيما أخذه تصرّفا مباحا من دون أن يكون ملكه ، وفائدة ذلك : أنّ البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك ؛ لأنّ الملك لم يحصل لهما ، وبه قال الشافعي .
شرح
التفريع من الجانبين . الثاني : أنّ مورد نفي الخاصّة إفادتها للملك عين مورد إثبات العامّة فيه إفادتها الملك اللازم ، ومن المعلوم أنّ مورد إثباتهم ذلك ما قصد به التمليك ، إذ القول بالملك اللازم مع قصد الإباحة لا يصدر من الصبيّ . الثالث : أنّ الشائع بين الناس ما قصد به الملك ، وأمّا ما قصد به الإباحة فهو نادر جدّا ، فلو كان محلّ النزاع بينهم هو الثاني لزم التعرّض لبيان حكم النادر ، وهو بعيد عن وظيفتهم إلى الغاية . هذا ، ولا يخفى أنّ هذه الأمور إنّما تتوجّه على صاحب الجواهر لو كان مراده بيان أنّ محلّ النزاع بين العلماء من الخاصّة والعامّة المتوارد عليه الأقوال إنّما هو المعاطاة المقصود بها الإباحة ، وأمّا بناء على ما ذكرناه في بيان مرامه فلا يتوجّه عليه شيء منها كما لا يخفى .
1289 . الظاهر أنّ ضمير « فإنّه » راجع إلى الدفع المستفاد من « دفع » . والبيع عند الشيخ قدّس سرّه بقرينة تعريفه في المبسوط بالأثر الحاصل من العقد - على ما مرّ نقله عنه في السابق - هو الملك ، وهو بظاهره غير صحيح ، فمراده منه سبب البيع ، وبقرينة المقابلة يعلم أنّ مراده من الإباحة سببها . فيكون المعنى : أنّ دفع المال بالنحو المزبور لا يكون سببا للإباحة فيترتّب عليه جواز التصرّف بعنوان المباحيّة ، من دون المأخوذ بواسطة التصرّف فيه ملكا له . ومرجعه إلى أنّ التعاطي لا يؤثّر في الملكيّة ، وإن كان جامعا لجميع الشرائط التي منها قصد التمليك والتملّك منها ، وإنّما يؤثّر الإباحة لو اقترن بالشرائط المعتبرة فيه ، ومنها قصد الإباحة منها .
هامش
( * ) في بعض النسخ زيادة : كما صنعه بعض المعاصرين .