شرح
وثالثها : الإجماع المحكيّ عن الخلاف مع الشهرة المحكيّة . ومقتضى هذه الأمور اختلاف الوجه في لزومه ، حيث إنّ مقتضى هذا أنّ اعتباره شرعيّ صرف . ومقتضى الثاني أنّه عقلي . ومقتضى الأوّل أنّه من جهة عدم الدليل على الصحّة بدونه .
وفي الكلّ نظر . أمّا الأوّل فلعموم إطلاق الأدلّة لصورة التأخّر أيضا ، ولذا تراهم يتمسّكون بها في دفع ما يشكّ في اعتباره في العقد . ومجرّد غلبة صورة التقدّم وتعارفها لا يوجب الانصراف إليها .
وأمّا الثاني فلأنّ الفرعيّة إمّا أن يراد منها فرعيّة المعلول للعلّة من حيث الوجود ، وفرعيّته له من حيث التأثير لا أصل الوجود . وإمّا فرعيّة العرض للمعروض والفعل للمفعول ، بمعنى أنّ القبول مثل سائر الأفعال لا بدّ في تحقّقه من وجود مفعول قبله يتعلّق به ويعرض عليه ، لاستحالة وجود العرض بدون المعروض . وإمّا فرعيّة الانفعال للفعل .
والأوّل غلط محض لا مجال لإرادته ، إذ لازمه وجوده بعد الإيجاب قهرا . وكذا الثاني .
أمّا أوّلا : فلأنّه ليس أولى من العكس . وأمّا ثانيا : فلأنّه أجنبيّ عن محلّ الكلام ، لأنّه في جواز تقديم القبول من حيث الوجود الإنشائي ، وقضيّة ذلك عدم جوازه من حيث التأثير .
وأمّا الثالث فإن أريد من وجود الإيجاب قبل القبول ليرد عليه القبول وجوده الإنشائي في الخارج فهو عين محلّ النزاع . وإن أريد منه وجوده الإنشائي ولو في الذهن فهو مسلّم ولكنّه لا يجدي . وبالجملة ، الأفعال من حيث الاحتياج إلى وجود المفعول على أقسام ، إذ بعضها محتاج إلى خصوص وجوده الخارجي كالأكل والشرب ، وبعضها محتاج إلى خصوص وجوده الذهني مثل الطلب ، فإنّ متعلّقه لو كان موجودا في الخارج في ظرف الطلب لزم طلب الحاصل ، وبعضها يكفي فيه مطلق الوجود ، والقبول من القسم الثالث ، فتدبّر .
وأمّا الرابع ففيه : أنّ الفعل والانفعال تارة حقيقي واقعي ، وأخرى إنشائي استعمالي ، وترتّب الانفعال على الفعل وتأخّره عنه إنّما هو في الأوّل لا في الثاني ، ضرورة صحّة الانفعال الإنشائي وإن لم يكن هناك فعل لا واقعا ولا إنشاء .
وبالجملة ، للقبول والمطاوعة أنحاء من الوجود : ذهني وواقعي ، خارجي وإنشائي . وهما إنّما يتوقّفان على وجود الإيجاب بوجودهما الواقعي ، وأمّا بوجودهما الإنشائي فلا ، لإمكان إنشاء مفهومهما بذكر اللفظ بقصد تحقّقه به . ومحلّ البحث هو الثاني .