. . . . . . . . . .
شرح
من العقاب عند تفسير قوله سبحانه وتعالى :ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةًوجزمه في أوائل تفسير الفاتحة - فلا شبهة في منافاة الأجرة للعباديّة حتّى بنحو الداعي إلى الداعي ، لأنّه حينئذ يكون من أحد القسمين الأوّلين الذي قد عرفت أنّه لا يعقل فيهما الداعي إلى الداعي .
وهكذا الكلام لو عمّم المحرّك إلى الفعل لهما وللطمع في الثواب والخوف من العقاب والمحبوبيّة والحسن الذاتيّين ، وكذا الكلام في محركيّة الامتثال والتقرّب ، إذ مرجع الأوّل إلى محركيّة الأمر . وأمّا الثاني فلمّا كان التقرّب ليس ممّا يترتّب على ذات الفعل بأيّ وجه اتّفق وجوده في الخارج ، بل كان من آثار العبادة ، فلا بدّ من إرجاعه إمّا إلى قصد الأمر بهذا النحو ، فينافيه أخذ الأجرة ، وإمّا إلى قصد الخضوع ، فلا ينافيه ، على ما مرّ بيانه .
فتحصّل من جميع ما ذكرنا : أنّ أخذ الأجرة لا ينافي العباديّة بناء على المختار فيها من كون المحرّك إلى العمل تعلّق غرضه بتحقّق الخضوع به ، وينافيها بناء على المعروف المشهور من كون المحرّك إليه هو الجهة الإلهيّة أيّا ما كان . فظهر بحمد اللّه سبحانه وتعالى أنّه لا مانع من أخذ الأجرة على الواجبات من تلك الجهة . وكذلك المستحبّات هنا . وكذا فيما إذا لم يكن الواجب المستأجر عليه واجبا على الأجير ، بل على غيره المسمّى بالنيابة ، إذ الدليل في عدم جوازه منحصر في منافاتها للعباديّة ، وقد تقدّم عدم منافاتها لها على المختار . وظهر أيضا وجه الصحّة في عبادات المأمورين بالمعروف فيما إذا تحقّق بسبب الأمر بالمعروف كون الخضوع غرضا لهم . نعم ، لو لم يتحقّق ذلك به ، بل إنما يأتون صرف صورة العبادة بدون تعلّق غرضهم بتحقّق الخضوع بفعلهم - كما كان الأمر كذلك في المنافقين في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله - فالعبادة باطلة . ولا بأس بالالتزام به حينئذ .
فإن قلت : بناء على ما اخترت في آخر الأمر يلزم صحّة العبادة الريائيّة ، وليس كذلك .
قلت : بطلانها فيما إذا كان الأمر فيها كما ذكرنا - بأن كانت العبادة والخضوع للمولى غرضا للفاعل بواسطة الرياء بعد أن لم يكن كذلك - على تقدير تسليمه ليس على طبق القاعدة ، وإنّما هو لأجل الأخبار الخاصّة ، فلا يرد علينا . مع أنّ بطلانها في المورد المذكور لما ذكر ممّا يمكن منعه ، نظرا إلى أنّ مفاد الأخبار ليس أزيد ممّا كان الرياء تمام الغرض أو بعضه على نحو يكون هو مع الخضوع في عرض واحد ، الذي عبّر عنه في جملة من الأخبار بالشركة ، لا ما كان الخضوع تمام الغرض ، والرياء إنّما جعله متعلّقا للغرض بعد أن لم يكن كذلك . ولكنّ