. . . . . . . . . .
شرح
وإن كان المراد أنّه حين تحقّق الداعي الأوّل إنّما يصير بانفراده علّة تامّة للحركة إلى العمل ، ففيه : أنّه بدون المدخليّة محال ، ومعها يرجع إلى الشقّ الأوّل .
وهذا بخلاف القسم الثالث ، فإنّ مجرّد العلم به والتصوّر له ليس علّة لصدور الفعل من الفاعل ، بل لا بدّ فيه من أن يتعلّق غرض الفاعل به بوجوده الخارجي ، بحيث لولاه لما حرّكه إليه ، ولا إشكال في أن تعلّق غرض الإنسان بشيء خاصّ لا بدّ له من جهة راجعة إمّا إلى المولى أو غيره ، نفس الفاعل أو غيره . وبعبارة أخرى : أنّ العلّة في القسم الثالث هو كون الشيء الملحوظ حين العمل غرضا ومقصدا للفاعل بوجوده الخارجي ، بحيث إذا حصل - ولو لأجل علّة - حرّك الفاعل نحو الفعل .
إذا عرفت ذلك نقول : إنّه بناء على ما ذكره شيخنا الأستاد واخترناه من كون المدار في عباديّة العبادة على الخضوع - أي : على صدور الفعل لغرض الخضوع وبداعيه - لا إشكال في عدم منافاة أخذ الأجرة لعباديّة العبادة ، لأنّ غاية ما يحصل بواسطة الأجرة إنّما هو صرف تعلّق الغرض بما لو تعلّق به قبل لكان محرّكا إليه - أعني : تحقّق الخضوع بذلك الفعل - لا جهة عليّته . وبعبارة أخرى : أنّ الأجرة علّة لحدوث ما هو العلّة للفعل التي لو اتّفق حصولها قبلها لأراد الفاعل للفعل ، فالعلّة التامّة لصدور الفعل منه صرف كون حصول الخضوع به غرضا له ، غاية الأمر إنّما حدث ذلك ببركة الأجرة ، وذلك لا يضرّ بعلّيته التامّة .
لا يقال : لو كان الأمر كذلك للزم أن يتحرّك إلى الفعل حتّى بعد العمل ، لوجود علّة الحركة ، وليس كذلك ، بل برفع اليد عن العمل بمجرّد العلم به ، ويكشف ذلك عن أنّ علّة الإقدام هو تحصيل الأجرة ، ولا أقلّ من المدخليّة .
لأنّا نقول : إنّ هذا لو كان علّة الإتيان - وهو تعلّق الغرض بحصول الخضوع به - باقية بعد ذلك ، وليس كذلك ، لأنّه بقاء وارتفاعا تابع لبقاء العلم بوصول الأجرة ، ولا أقلّ من رجائه وعدمه .
وهذا بخلاف ما إذا كان البناء في عباديّة العبادة على ما هو المعروف بين القوم ، من كون المحرّك إليه هو خصوص أهليّة المولى لها أو أمره بها دون غيرهما حتّى الثواب والعقاب - كما نسبه المولى المحقّق المحدّث الكاشاني قدس سرّه في باب نيّة العبادة من الوافي إلى كثير من علمائنا ، وحكى عن الفخر الرازي نقل اتّفاق المتكلّمين على بطلان العبادة المقصود بها الثواب أو التخلّص