. . . . . . . . . .
شرح
الدواعي من جهة أنّ أخذ الأجرة لا يدعو إلّا إلى ما استؤجر عليه ، وهو عبارة عن ذات العبادة مقيّدة بأن يكون إتيانها لأجل غاية الامتثال ، لا نفس الامتثال بها وعنوانه بحيث يكون الفعل خارجا عن المستأجر عليه ، فقصد الامتثال إنّما هو لأجل توقّف عنوان المستأجر عليه لأجل تقييده به ، لا لأجل أنّه نفس المستأجر عليه حتّى يكون من باب غاية الغاية وداعي الداعي .
وثانيا : أنّ مسألة داعويّة الأجرة إلى داعي العمل - أعني : الأمر أو ملاكه من المحبوبيّة ونحوها - أمر لا نعقله ، إذ الأجرة لا تخلو عن أن تدعو إلى ذات الداعي - وهو الأمر ، أو ملاكه - أو تدعو إلى وصفه العنواني ، أعني : وصف الداعويّة والمحرّكيّة إلى العمل . وبعبارة أخرى : أنّ الحاصل بواسطة لحاظ الأجرة والموجود بعده إمّا ذات الأمر أو الحبّ ، وإمّا جهة تحريكهما إلى العمل بعد وجود نفسهما قبل لحاظها ، وكلاهما محال .
وثالثا : أنّ المراد من داعويّة القرب والامتثال أو الأمر أو المحبوبيّة وأمثال ذلك إلى العمل - كالصلاة ونحوها - المعتبرة في عباديّة العمل إمّا داعويّتها بطور العلّة التامّة من دون مدخليّة شيء آخر فيه كما هو الحقّ ، أو الأعمّ منها ومن العلّة الناقصة .
فإن كان المراد هو الأوّل ، فلا ريب في بطلان العبادة مطلقا إلّا فيما لم يلحظ في مقام العمل ترتّب فائدة أخرى غير الامتثال ، بل كان الفوائد الأخر في نظر العامل ممّا لا مدخليّة له في مرحلة الدعوة إلى العمل ، بحيث لا يتفاوت حاله من حيث إرادة إتيانه والحركة إلى إيجاده ترتّب ذاك اللازم الآخر عليه وعدمه . وأمّا إذا لا حظه وكان غرضه الوصول إلى تلك الفائدة - كما في المقام ، حيث إنّ الغرض من الامتثال فيه هو استحقاق الأجرة - فتبطل العبادة ، لأنّ القربة والامتثال حينئذ علّة ناقصة للفعل ، ضرورة أنّ علّيتهما له حينئذ إنّما هي من جهة لحاظ ترتّب الفائدة الكذائيّة عليه بحيث تنتفي بفرض انتفائه ، فترتّب الفائدة على الامتثال له دخل في داعويّته إلى العمل ، فلا يتحقّق بدونه .
وإن كان المراد منه الثاني ، فيلزم الالتزام بصحّة العبادة فيما لو كانت علّة صدور العمل مركّبة من الامتثال وغيره ، وإن كان الثاني في عرض الأوّل لا في طوله .
وبالجملة ، إن كان المعتبر في عباديّة العبادات صدورها عن إرادة منبعثة عن خصوص الامتثال من دون مدخليّة لحاظ شيء آخر في حصول تلك الإرادة ، فلا يجدي مسألة الداعي إلى الداعي ، لما عرفت من دخالة لحاظ الداعي الثاني - والعلم بترتّبه على الأوّل في مرحلة الوجود